الناس صادقين ؛ إذ لا يوجد من يكذب في كلّ أقواله ، فلا بدّ من صدقه في بعضها ، وهذا لا يطلق عليه أنّه صادق عرفاً . نعم بيّن علماء أصول الفقه أنّ الصادق قد يكذب ، بمعنى صدوره منه نادراً أو اتفاقاً ، وإلا لخرج عن أن يوصف بالصادق بذاته ، بل يوصف هذا القول منه أو ذاك بالصدق بوصفه فعلًا جزئيّاً من الأفعال .
وقد استشهد بعضهم لذلك بالآية اللاحقة - بعد وصف المهاجرين والأنصار - حيث جاء فيها قوله سبحانه :
( وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ )
( الحشر : 10 ) ، حيث إنّه ليس كلّ الذين جاؤوا بعد المجموعتين السابقتين يقولون ذلك ، إذ ليس كلّهم مستغفرين وداعين ، فهذا دليل على أنّ هذه الأوصاف لبعض اللاحقين ، فتكون الأوصاف المتقدّمة في الآيات السابقة لبعض الصحابة لا لجميعهم ؛ ومن هنا حَكَمَ الإمام مالك بن أنس بعدم استحقاق السابّ للصحابة الفيء ، بمقتضى سياق هذه الآيات « 1 » .
وهذا الكلام جيّد لولا أنّه من المحتمل أن تكون الآية المذكورة ناظرة إلى الخارج ، وليست مسوقةً على نهج القضية الحقيقيّة ، بحيث تتحدّث عن المجموعة الثالثة من المسلمين المؤمنين آنذاك ، وهي التي أسلمت وآمنت بعد حركة الهجرة والنصرة ، كما في الذين أسلموا بعد معركة الأحزاب أو بعد صلح الحديبيّة ، حيث لم يكن هؤلاء في غالبهم من المهاجرين ولم يكونوا من الأنصار بعد تخصيص وصف الأنصار بالرعيل الأوّل الذي آوى ونصر واحتضن الدعوة في يثرب ، فالآية تخبر عن المجموعة الثالثة ، ومعه لا معنى لنفي إطلاقها حيث قد يكونون جميعاً متّصفين بهذه الصفات واقعاً .
مضافاً إلى أنّه بناءً على ما قلناه ، من أنّ الأوصاف اللاحقة للجماعات تصدق ولو مع المخالف القليل النادر ، يمكن وصف المجموعة الثالثة بما ذكر حتى مع جرّ مضمونها زماناً إلى يوم القيامة ؛ لأنّ الغالبيّة الساحقة من المسلمين تستغفر وتحبّ المسلمين الأوائل . نعم
هامش
( 1 ) راجع : السيد حسين الرجا ، دفاع من وحي الشريعة ضمن دائرة السنّة والشيعة : 147 - 148 .