المتقدّمين بحيث نعرف أنّ الإطلاق ينصرف عندهم إلى ذلك ، فنفهم أنّ صاحب الكتاب الحديثي أو المحدّث قصد هذا المعنى المنصرف إليه اللفظ عندما أطلق ، وأمّا انصرافات المتأخّرين الناتجة في أغلبها عن النظر والاجتهاد ، فهي غير ملزمة ، ما لم نصحّح منطلقاتها ، كما هو جليّ .
هذا هو مهمّ القرائن الترجيحيّة ، وغيرُه يُعلم حاله ممّا ذكرناه هنا فلا نطيل .
ولابدّ لنا أن ننتبه هنا إلى أنّ الاشتراك لا يختصّ بأن يكون اثنينيَّ الطرف ، بل تارةً يكون كذلك ، وأخرى ثلاثيّ الأطراف ، وثالثة رباعيّ الأطراف وهكذا ، وبعض هذه القرائن ينفع في ترجيح واحدٍ على آخر ، وبعضها ينفع في ترجيح مجموعة من الرواة على آخرين ، بحيث يبقى الاشتراك بين أفراد المجموعة الراجحة نفسها ، ويحتاج لإعمال قرائن ترجيحيّة تمييزيّة أخرى بينهم ، فلابدّ من ملاحظة هذا الأمر جيداً ، فعدم قدرة بعض القرائن على الحسم لصالح راوٍ واحد ، لا يمنع من قدرتها على ذلك لصالح مجموعة بعينها دون أخرى ، كما لو كان الاشتراك مردّداً بين أربعة أشخاص مثلًا .
وبهذا يظهر أنّ أغلب هذه القرائن ترجيحيّة ، تحتاج لضمّ بعضها إلى بعض وإجراء بعض المحاسبات ، وعدم الاكتفاء بالشهرة والتسالم بين المتأخّرين ، فقد رأينا نزعةَ تساهلٍ هنا .
وأمّا قول بعضهم بكفاية الظنّ هنا في هذا الباب ، وإلا لانسدّ باب العلم والعلمي ، أو القول بأنّ هذه القرائن والأمارات تفيد العلم ، وأنّ السيرة جرت على الاعتماد عليها أو غير ذلك من الكلمات « 1 » ، فيمكن التعليق عليه إذا أريد منه تبرير مختلف أشكال تمييز المشتركات المثارة عندهم :
أوّلًا : لا حجيّة لسيرة المتأخّرين ، فلا هي بالكاشفة عن موقف المعصوم ولا بالتي ثبتت لها حجيّة في نفسها ، ولا نعلم أنّ مسلك المتقدّمين كان كذلك ؛ إذ لم تصل إلينا مؤشرات
هامش
( 1 ) انظر : علي أبو الحسن ، الفوائد الرجاليّة : 204 - 205 .