ومن توابع هذا الأمر أصل المشاركة الفاعلة في النضال والجهاد تحت راية شرعيّة وللدفاع عن الإسلام والمسلمين في مختلف الحروب التي عرفها المسلمون في القرون الأولى ، ومن هذا أيضاً تسليم النبي أو الإمام الراية لشخصٍ في الحرب « 1 » ، فإنّه شاهدٌ على مكانته الرفيعة أو جعله من قيادات الجند ، فلولا أنّه مأمون صالح ما أمكن أن يصل إلى هذه المرتبة .
وقد خالف في هذا بعض المعاصرين ، وذهب إلى أنّ ذلك لا يوجب توثيقاً ؛ فكم من مجاهدٍ ليس بثقة وقوله ونقله ليس بحجّة ، وهذا الأمر تمّ لمسه بالوجدان في العصر الحديث ، بل غاية ما تدلّ عليه الشهادة هو أنّ نهاية حياته كانت مختومة بالصلاح والفوز بالرضوان عند الله تعالى ، فكيف يدلّنا ذلك على أنّه قبل الشهادة وفي أوائل عمره كان ثقةً عادلًا صالحاً ؟ ! « 2 » .
وما ذكره من النقد صحيح تامّ ، وهو ملموس بالوجدان أيضاً ، فقد تجد مضحّين ومجاهدين أشدّاء في جبهات الحرب ، لكنّهم في النقل غير دقيقين أبداً ، خاصّة في مجال الضبط ودقّة النقل ، مما هو مأخوذ في الرواية بقوّة ، وليس فقط مجرّد صلاح الحال دينيّاً ، بل كثير من الشهداء آبوا إلى الله تعالى في أواخر عمرهم ، ومنهم بعض شهداء كربلاء وآخرون ممّن قضوا مع النبي نفسه في الحروب والغزوات .
نعم ، يمكن أن يدلّ دليل على وثاقته من جهة أخرى ، لكنّ الكلام في التوثيق من هذه الجهة بخصوصها ، وقد كان في التاريخ والحاضر كثيرون جاهدوا لا لاعتبارات دينيّة أساساً ، بل لمصالح قَبَليّة ، أو ماليّة في الغنائم ، أو وطنيّة ، أو مناطقيّة ، أو سلطويّة ، أو غير ذلك .
وأمّا قيادة الجند أو بعضهم أو تسليم الراية أو غير ذلك ، فغاية ما يفيد الأمن من هذا
هامش
( 1 ) أشار لموضوع الراية : النمازي ، مستدركات علم رجال الحديث 1 : 59 .
( 2 ) انظر : آصف محسني ، بحوث في علم الرجال : 25 ، 26 - 27 .