وقد نقل ابن حجر عن النووي الشافعي إجماعَ من يعتدّ به على أنّ الصحابة كلّهم عدول « 1 » ، والكلمات في تعديل الصحابة كثيرة .
إلا أننا نلاحظ على هذا الإجماع المدّعى :
أوّلًا : لم يتمّ التحقّق من إجماع الأمّة الإسلاميّة على هذا الأمر ، فالشيعة لا يقولون بعدالتهم جميعاً ، وكذا جمعٌ من المعتزلة والإباضيّة في التفصيل الذي ذكروه بين من لابس الفتن وغيره ونحو ذلك ، هذا فضلًا عن المناقشين في هذه النظريّة من المتأخّرين والمعاصرين . ومعه فكيف يُدّعى إجماع الأمّة على هذا الأمر ، وهو نقطة خلاف جوهريّ ؟ !
وكذلك الحال في دعوى الإجماع على عدم عدالتهم ، فإنّها دعوى غير صحيحة ، بعد ذهاب أكثر علماء أهل السنّة إلى تعديلهم .
ولأجل وضوح عدم انعقاد إجماعٍ إسلامي ، نجد كلمات مدّعي الإجماع تصيغه بطريقة معهودة ، وهي تنزيل المخالفين منزلة العدم أو إدراجهم خارج نطاق الحقّ ليدخلوا في الابتداع والكفر والزندقة ، فالنووي - كما نُقل عنه - أتى بعبارة « من يعتدّ به » ، وكأنّ سائر علماء المسلمين من أهل السنّة والمعتزلة والشيعة لا قيمة لأقوالهم ، وكذلك رأينا مع الخطيب البغدادي وابن الصلاح ، كما رأينا ابن عبد البرّ يجعل مساحة الإجماع هي « أهل الحقّ من المسلمين » ، ثم يحصرهم في أهل السنّة والجماعة ، كما نجد البغدادي يقول - بعد ادّعائه الإجماع - : « وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أنّ حال الصحابة كانت مرضيّة إلى وقت الحروب . . » « 2 » ، فليلاحَظ كيف جعل المخالفين من المعتزلة من أهل البدع ليسقط قيمة مخالفتهم .
وفي هذا السياق ، يُتناقل كلامٌ عن أبي زرعة الرازي ، يقول فيه : « إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فأعلم أنّه زنديق . . » « 3 » ، وأيضاً قال أبو بكر
هامش
( 1 ) الإصابة 1 : 22 .
( 2 ) الكفاية في علم الرواية : 67 .
( 3 ) المصدر نفسه ؛ والمزي ، تهذيب الكمال 19 : 96 .