هذا ، وقال الإمام الغزالي : « اعلم أنّ طائفة من الضعفاء ظنّوا أن ترك الأمر بالمعروف من جملة الرضا بالقضاء ، وسمّوه حسن الخلق ، وهو جهل محض ، بل عليك أن ترضى وأن تكره جميعاً » « 1 » . وهذا ما يشي بأنّ هناك توجّهاً لترك هذه الفريضة اعتماداً على مفاهيم الرضا والتوكّل ، ولعلّ هؤلاء الذين أشار إليهم الغزالي هم من المتصوّفة .
وقد أجيب - ويمكن أن يجاب - عن الاستدلال بهذه الآية لإسقاط فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو لإحداث معارضٍ لأدلّتها ، بما يلي :
الجواب الأوّل : ادّعاء أن هذه الآية الكريمة منسوخة - إلى جانب سائر آيات الموادعة والعلاقات السلمية مع الكافرين - بمثل آية السيف أو أواخر آيات الجهاد النازلة في سورة التوبة ، فلا يحتجّ بهذه الآية على شيء لكونها منسوخة ؛ فتبقى أدلّة الأمر والنهي بلا معارض « 2 » .
ويناقش هذا الجواب بما ذكرناه مفصّلًا في فقه الجهاد « 3 » ، من أنّ آية السيف أو غيرها ليست ناسخةً كما قيل ، وأن موضوع الآيات مختلف أو يوجد بينها تخصيص أو تقييد ، بحسب الموارد والحالات ، وسوف نرى - قريباً بعون الله - هل يوجد تنافٍ بين هذه الآيات أو آيات الأمر بالمعروف وبين هذه الآية حتى يدّعى النسخ ؟ بعد عدم وجود شواهد تاريخية تفيد النسخ .
الجواب الثاني : لا يمكن رفع اليد بهذه الآية الكريمة عن الآيات الكثيرة ، والأخبار المتواترة ، وإجماع المسلمين . . الدالّة جميعها على وجوب الأمر بالمعروف
هامش
( 1 ) الغزالي ، الأربعين في أصول الدين : 162 .
( 2 ) انظر : النجفي ، جواهر الكلام 30 : 34 ؛ وابن الجوزي ، زاد المسير 2 : 331 ؛ ونواسخ القرآن : 149 .
( 3 ) العنف والحريات الدينية 2 : 21 - 60 .