سلوكهم المادي ، أي في حركات أبدانهم ، وليس لها علاقة بحالاتهم النفسيّة إلا لضرورة ، فهل الشريعة الشاملة مماهية لهذه النسخة من القوانين أو أنّها تستوعب الأحكام الأخلاقيّة المتصلة بباطن الإنسان وتضع مواقف للظواهر الروحية والنفسيّة كالحسد والحقد والعُجب وغير ذلك ؟
هذا السؤال يفتح على علاقة الشريعة بالأخلاق ؛ فإذا فصلنا بينهما ظهر لنا اختصاص الأخلاق بالحياة الباطنيّة للأفراد ، بينما بدا القانون وكأنّه يتعامل معهم بوصفهم موجودات ماديّة .
إلا أنّ ما نراه الأصحّ في تناول القضيّة هنا ، هو أن نطرحها على مستوى أعمّ من الظاهر والباطن ، ومن ثمّ يصبح المراد من الحكم أعمّ من القوانين الإلزاميّة والتوجيهات الأخلاقيّة والروحيّة ، فالوحي النازل من السماء هل جاء لتنظيم حياة الإنسان على مستوى الماديات أو على مستوى الروح والنفس أيضاً ؟ وهل الشريعة تحمل في طيّاتها توجيهات سلوكية روحيّة كاملة بحيث لا نحتاج لعلماء التصوّف والعرفان والنفس والرياضات الروحيّة لكي يمنحونا توجيهات وبرامج ، بل يكون مرجعنا ليس تجربتهم البشريّة وإنّما النصّ الديني أو لا ؟
يشار أخيراً إلى أنّ مسألة العلاقة بين الفقه والأخلاق مسألة شائكة ، ومسألة الموقف من النصوص التي سمّيت بالأخلاقية هي مسألة مهمّة أيضاً ، نتركها لمجالٍ آخر .
1 - 1 - 6 - الحكم من حيث هو شرعيّ ( إلهيّ ) وغير شرعي
أقصد من هذا العنوان أنّ المراد بالحكم الذي لا تخلو واقعة منه هو الحكمُ الإلهي المجعولُ من الله تعالى ، وهذا واضح من فكرة شمول الشريعة السماويّة ، إلا أنّ الكلام في أنّ إحالة الشريعة على مرجعيّة قانونيّة أخرى - لو حصل - والأمر بإطاعتها ، هل يعني أنّ أحكام تلك المرجعيّة هي حكم شرعي إلهي مجعول من الله تعالى ، كما يذهب إليه بعض الباحثين المعاصرين « 1 » - وسيأتي التعرّض لنظريّته - ومن ثمّ نستطيع أن نضمّ أحكامها إلى أحكام الشريعة ، ونعتبر أنّ الشريعة شاملة لكلّ مرافق الحياة أو أنّ دعوى شمول الشريعة يُقصد منها الأحكام التي جاءت بها الشريعة ونصّت عليها سواء كانت معروفة بعضها من قبل أو لا كما
هامش
( 1 ) انظر : أبو القاسم عليدوست ، فقه ومصلحت : 213 .