بالمعنى المدرسي لها ، وقد جمعنا فيه نوعين من الأدلّة : الإجماع والتسالم ، والسيرة المتشرّعيّة .
وذلك أنّه قد يقال بأنّ المسلمين متسالمون تسالماً عظيماً ومجمعون إجماعاً قاطعاً - على اختلاف مذاهبهم وتوجّهاتهم الفكرية والفقهية والكلاميّة وميولهم - على أنّ الشريعة شاملة لكلّ مرافق الحياة ، وأنّ الدين لم يترك شيئاً من سلوكيّات الإنسان إلا وقدّم فيه توجيهه الإيجابي أو السلبي ، بل هذا الأمر مرتكزٌ في أذهان المتشرّعة ؛ لهذا نجدهم يسألون دائماً عن موقف الدين في كلّ قضيّة يواجهونها ، وهذه هي عادتهم منذ قديم الأيّام ، ولم يكن يخطر في بالهم أنّ مساحةً ما من مساحات الحياة تقع خارج نطاق التغطية الدينيّة القانونيّة والأخلاقيّة .
يقول الميرزا الآشتياني : الذي قام عليه الدّليل ونطق به السّنة والإجماع ، عدم جواز خلوّ الواقعة عن الحكم الواقعي « 1 » .
ويقول المحقق الخراساني - في سياق نقده لنظريّة التصويب - : . . فلو كان غرضهم من التصويب هو الالتزام بإنشاء أحكام في الواقع بعدد الآراء - بأن تكون الأحكام المؤدّي إليها الاجتهادات أحكاماً واقعيّة كما هي ظاهريّة - فهو وإن كان خطأ من جهة تواتر الأخبار وإجماع أصحابنا الأخيار على أنّ له تبارك وتعالى في كل واقعة حكماً يشترك فيه الكلّ ، إلا أنّه غير محال . . « 2 » ، بل ذكر في موضع آخر أنّ الإجماع والضرورة قائمان على ذلك « 3 » .
وقال الشيخ محمد جواد مغنيّة : تسالم فقهاء الإماميّة على أنّ لله في كلّ واقعة حكماً يصيبها من أصاب ، ويخطئها من أخطأ ، وللمخطئ أجر ، وللمصيب أجران ، كما في الحديث الشريف « 4 » .
وقال السيد الخوئي في سياق نقده للتصويب الأشعري : . . لازمه اختصاص الأحكام الشرعية بمن قامت عنده الأمارة ، وهو خلاف التسالم والأخبار الدالّة على أنّ لله سبحانه في كلّ واقعة حكماً يشترك فيه العالم والجاهل ومن قامت عنده الأمارة ومن لم تقم « 5 » .
هامش
( 1 ) بحر الفوائد 1 : 86 .
( 2 ) كفاية الأصول : 469 .
( 3 ) الخراساني ، درر الفوائد : 71 .
( 4 ) فقه الإمام جعفر الصادق 6 : 67 .
( 5 ) موسوعة الإمام الخوئي ، الاجتهاد والتقليد 1 : 24 ؛ وانظر أيضاً : مصباح الأصول 3 : 445 .