وقد تعرّضنا في بحث مفصّل لإشكالية الثابت وللتغير ومنطقة الفراغ وغير ذلك مما يتصل في بعض أبعاده بهذه القضية ، ولن نعيد أو نكرّر ، لكننا سنكتفي هنا ببعض المداخلات والوقفات الضرورية ، والتي تصوّب بمجموعها رؤيتنا لهذا الموضوع الإشكالي وأبرزها :
أ - معيار قانونية القضيّة القانونيّة
الوقفة الأولى : وهي تتعلّق بالصيغة الأولى والمستوى الأوّل لإشكالية عدم تشريعيّة القرآن ، إذ تُسقط هذه القراءة لتشريعيّة القرآن الكريم نمط القانون المعاصر على حقيقة القانون وهويّته ، وتركّز كثيراً على اللغة القانونية وعلى نظام البيان والتنظيم لبنود القانون ، وكأنّ هذه القراءة تعتبر قانونيّة كتاب بالعناصر التالية :
أ - تمحّضه في معالجة القضايا القانونية والشرعيّة .
ب - تنظيمه على أبواب القضايا القانونية والشرعية وفصولها ، كالقوانين المدنية والجزائية والجنائية وغير ذلك .
ج - استخدامه لغة البيان القانوني الصارمة ذات الزوايا المحدّدة .
فإذا لم يحتوِ كتابٌ ما على هذه الخصائص فهو كتاب توجيهٍ أخلاقي .
وهذا النمط من التفكير يحكم على الفقهاء الشرعيين أيضاً ، كما ألمحنا سابقاً ، فكتاب الفقه لابد أن يكون مشتملًا على هذه الخصوصيات ، وإلا صار كتاب أخلاق أو توجيه أو تربية ، بل إنّ هذه الفكرة دفعت بعض الفقهاء للتمييز بين لغة الحكم الشرعي في الأحاديث واللغة الأخلاقية ، ولم يستنبطوا حكماً شرعياً مما كان لسانه لساناً أخلاقياً بحسب تعبيرهم .