على خلاف الحال في اليهودية التي يغلب عليها الطابع القانوني الصارم والمتشدّد . إنّ سبب هذه الصورة في أذهان متشرّعة المسلمين هو عدم وجود منظومة تشريعية مسيحيّة ، مع أنّك لو ذهبت إلى العهد الجديد من الكتاب المقدّس واستخدمت معه نفس طرق الاجتهاد التي يستخدمها الفقهاء المسلمون مع القرآن ، لوجدت العشرات ، بل المئات من النصوص التي يمكن استخراج أحكام فقهيّة منها ، بحيث لو لم نقل بأنه بحجم نصوص القرآن الفقهيّة فهو أقلّ بقليل منها .
وسبب تصوّرنا هذا أنّه لم يُنقل إلينا مشروع فقهي إنجيلي على الطريقة الاجتهادية الإسلاميّة ، أو اليهوديّة ، فتعاملنا مع نصّ العهد الجديد بطريقة عفوية ، ولاحظنا - محقّين - أنه كتابٌ وعظي إرشادي لا أكثر .
المستوى الثالث : ولوأعدنا النظر مرّةً ثالثة في الموضوع ، فسوف نجد أنّ القرآن الكريم تحدّث عن بعض الأمور العامة ، والأمور القانونية العامة تمثل مبادئ تشريعيّة وليست قوانين ، فمبادئ القانون شيء ، والقانون نفسه شيء آخر ، فالإسلام والقرآن أمرا بالعدل والإحسان ، والصدقة والتكافل الاجتماعي ، والدفاع والمقاومة ، والدعوة إلى الخير ، والزواج ، والعبادة ، واحترام الوالدين ، وصلة الرحم ، والعدل في المكيال والميزان ، والتواضع ، والعدل في القول ، والصدق ، والوفاء بالعهد والعقد ، والشكر و . . ونهيا عن الفحشاء والمنكر والبغي والظلم وأكل مال الضعيف كاليتيم ، والتبذير والإسراف ، والبخل والتقتير ، والقتل بغير حقّ ، والعدوان ، والسرقة وغير ذلك .
وهذه قيم ومبادئ وأصول تشريعيّة ، لكنّها ليست قوانين لتنظيم حياة البشر في الإجارة والتجارة والمعاملات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية و . . فأين هو النظام الاقتصادي في القرآن ؟ ليس فيه إلا تداول المال والزكاة والخمس والصدقة ،
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر — صفحة 87
مساهمون: حيدر حب الله
ص٨٧