بعضهم أنّ لها جانباً تشريعياً في معرفة الطلب الإلهي ، لا ما يُتداول خطأ من قبل الناس في أنّ هدفها معرفة المستقبل ، وهل أنّ حوادثه جيدة أم لا « 1 » .
وهذا التمييز والتحليل للاستخارة جيّد ، إلا أنّ المشكلة تكمن في إثبات أن العرب كانوا يقصدون غير ما يقصد دينيّاً بالاستخارة ، فمن قال بأنّهم كانوا يطلبون الغيب ؟ ! بل ظاهر الأشياء المكتوبة على السهام يدلّنا على أنهم كانوا يريدون معرفة ما يريده الربّ ( أمرني ربي ونهاني ربّي و . . ) ، والعرب كانت ترى الله سبحانه وتعالى ربّاً مدبّراً ، بشهادة النصّ القرآني الذي يقول :
( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ )
( يونس : 31 ) ، فأيّ تمايز بين ما فعلوه وبين ما يُفعل عند المتديّنين بالاستخارة ؟ !
المحاولة النقديّة الرابعة : وهي ترى أنّ مسألة الاستخارة لم ترد في نصّ أو نصّين فقط ، بل وردت في عشرات النصوص ، وعند السنّة والشيعة معاً ، حتى صنّف ابن طاووس كتاباً مستقلًا فيها جمع فيه عشرات الروايات من أكثر من 38 مصدراً ، وهذا الكمّ الهائل من النصوص الحديثية يفرض بنفسه تعيّن المعنى الذي لا ينافي الاستخارة في تفسير الاستقسام بالأزلام « 2 » .
إلا أنّ هذا الكلام نافع في حال دون حال :
أ - أما الحال التي ينفع فيها ، فهي عند عدم تشكّل ظهور واضح في دلالة الآية القرآنيّة ، فإذا تردّد المعنى بين محتملين أو محتملات كان يمكن اعتبار مجموع
هامش
( 1 ) محمد الصدر ، ما وراء الفقه 3 ، ق 1 : 202 - 203 .
( 2 ) انظر : فضل الله ، القرعة والاستخارة : 123 - 124 ؛ والصافي ، بحث حول الاستقسام : 6 - 8 .