تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
الضمير هذا على تقدير أن يكون الوقف على ( الراسخون ) وهو الذي ذهب إليه الشافعية . وسائر من فسر المتشابه بما لم يتضح معناه ، وأما على تقدير أن يكون الوقف على * ( إلا الله ) * وهو الذي ذهب إليه الحنفية القائلون بأن المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه فالراسخون مبتدأ وجملة * ( يقولون ) * خبر عنه ، ورجوح الأول بوجوه : أما أولاً : فلأنه لو أريد بيان حظ الراسخين مقابلاً لبيان حظ الزائغين لكان المناسب أن يقال وأما الراسخون فيقولون ، وأما ثانياً : فلأنه لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم ، وأما ثالثاً : فلأنه لا ينحصر حينئذ الكتاب في المحكم والمتشابه على ما هو مقتضى ظاهر العبارة حيث لم يقل - ومنه متشابهات - لأن ما لا يكون متضح المعنى ويهتدي العلماء إلى تأويله ورده إلى المحكم لا يكون محكماً ولا متشابهاً بالمعنى المذكور وهو كثير جداً وأما رابعاً : فلأن المحكم حينئذ لا يكون - أمّ الكتاب - بمعنى رجوع المتشابه إليه إذ لا رجوع إليه فيما استأثر الله تعالى بعلمه كعدد الزبانية مثلاً ، وأما خامساً : فلأنه قد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال : " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " ولو كان التأويل مما لا يعلمه إلا الله تعالى لما كان للدعاء معنى ، وأما سادساً : فلأن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كان يقول : أنا ممن يعلم تأويله ، وأما سابعاً : فلأنه سبحانه وتعالى مدح الراسخين بالتذكر في هذا المقام وهو يشعر بأن لهم الحظ الأوفر من معرفة ذلك ، وأما ثامناً : فلأنّه يبعد أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ، والقول بأن - أما - للتفصيل فلا بد في مقابلة الحكم على الزائغين من حكم على الراسخين ليتحقق التفصيل . غاية الأمر أنه حذفت - أما - والفاء ، وبأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فالجمع في قوله سبحانه : * ( أنزل عليك الكتاب ) * والتقسيم في قوله تعالى : * ( منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات ) * والتفريق في قوله عز شأنه : * ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) * الخ فلا بد في مقابلة ذلك من حكم يتعلق بالمحكم وهو أن الراسخين يتبعونه ويرجعون المتشابه إليه على ما هو مضمون قوله سبحانه : * ( والراسخون في العلم ) * الخ مجاب عنه بأن كون - أما - للتفصيل أكثري لا كلي ولو سلم فليس ذكر المقابل في اللفظ بلازم . ثم لو سلم بأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فذكر المقابل على سبيل الاستئناف أو الحال أعني : ( يقولون ) الخ كاف في ذلك ، ورجح الثاني بأنه مذهب الأكثرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وأتباعهم خصوصاً أهل السنة ، وهو أصح الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، ولم يذهب إلى القول الأول إلا شرذمة قليلة بالنسبة إلى الأكثرين كما نص عليه ابن السمعاني وغيره - ويد الله تعالى مع الجماعة - ويدل على صحة مذهبهم أخبار كثيرة : الأول ما أخرجه عبد الرزاق في " تفسيره " . والحاكم في " مستدركه " عن ابن عباس أنه كان يقرأ - وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به - فهذا يدل على أن الواو للاستئناف لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة فأقل درجاتها أن تكون خبراً بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن فيقدم كلامه على من دونه ، وحكى الفراء أن في قراءة أبيّ بن كعب أيضاً - ويقول الراسخون في العلم . وأخرج ابن أبي داود في " المصاحف " من طريق الأعمش قال في قراءة ابن مسعود - وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به - الثاني ما أخرج الطبراني في " الكبير " عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يبتغي تأويله إلا الله تعالى " . الحديث الثالث : ما أخرج ابن مردويه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رسول الله