وتعقيب هذين الأمرين بقوله سبحانه : * ( هذا صراط مستقيم ) * تقرير لما سبق ببيان أن الجمع بين الأمرين الاعتقاد الحق ، والعمل الصالح هو الطريق المشهود له بالاستقامة ، ومعنى قراءة الفتح على ما ذكر - لأن الله - ربي وربكم فاعبدوه - قوله تعالى : * ( لإيلاف قريش ) * ( قريش : 1 ) الخ ، والإشارة إما إلى مجموع الأمرين ، أو إلى الأمر الثاني المعلول للأمر الأول ، والتنوين إما للتعظيم أو للتبعيض ؛ وجملة * ( هذا ) * الخ على ما قيل : استئناف لبيان المتقضي للدعوة .
هذا والإشارة في هذه الآيات ظاهرة كالعبارة : سوى أن تطبيق ما في الآفاق على ما في الأنفس يحتاج إلى بيان فنقول : قال الله سبحانه : * ( وإذ قالت الملائكة ) * أي ملائكة القوى الروحانية لمريم النفس الطاهرة الزكية * ( إن الله اصطفاك ) * لكمال استعدادك ووفور قابليتك * ( وطهرك ) * عن الرذائل والأخلاق الردية * ( واصطفاك على نساء ) * ( آل عمران : 42 ) النفوس الشهوانية المتدرعة بجلباب الأفعال الذميمة * ( يا مريم اقنتي لربك ) * أي داومي على الطاعة له بالائتمار بما أمر والانزجار عما نهى * ( واسجدي ) * في مساجد الذل * ( واركعي ) * ( آل عمران : 43 ) في محاريب الخدوع مع الخاضعين فإن في ذلك إقامة مراسم العبودية وأداء حقوق الربوبية ، ولله تعالى در من قال : ويحسن إظهار التجلد للعدا * ويقبح إلا العجز عند الحبائب
* ( ذلك من أنباء الغيب ) * أي من أخبار غيب وجودك * ( نوحيه إليك ) * يا نبي الروح * ( وما كنت لديهم ) * أي لدى القوى الروحانية والنفسانية ، والمراد ما كنت ملتفتاً إليهم بل كنت في شغل شاغل عنهم * ( إذ يلقون ) * أقلام استعداداتهم التي يكتبون بها صحف أحوالهم وتوراة أطوارهم ويطرحونها في بحر التدبير * ( أيهم يكفل ) * ويدبر * ( مريم ) * النفس بحسب رأيه ومقتضى طبعه * ( وما كنت لديهم إذ يختصمون ) * ( آل عمران : 44 ) في مقام الصدر الذي هو محل اختصام القوى في طلب الرياسة قبل الرياضة وفي حالها * ( إذ قالت ) * ملائكة القوى الروحانية حين غلبت * ( يا مريم إن الله يبشرك ) * بمقتضى التوجيه إليه * ( بكلمة منه ) * جامعة لحروف الأكوان وهو القلب المحيط بالعوالم * ( اسمه المسيح ) * لأنه يمسحك بالنور ، أو لأنه مسح به * ( وجيهاً في الدنيا ) * لتدبيره أمر المعاش فيطيعه أنس القوى الظاهرة وجن القوى الباطنة ، ووجيهاً في الآخرة لقيامه بتدبير المعاد فيطيعه ملكوت سماء الأرواح ، أو شريفاً مرفوعاً في الدنيا وهي عبارة عن تجلي الأفعال ، وفي الآخرة وهي عبارة عن تجلي الأسماء * ( ومن المقربين ) * ( آل عمران : 45 ) أي المعدودين من جملة مقربي الحضرة القابلين لتجلي الذات ، وفي الخبر " ما وسعتني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن " * ( ويكلم الناس ) * بما يرشدهم في مهد البدن وقت تغذيه بلبان السلوك إلى ملك الملوك * ( وكهلاً ) * ( آل عمران : 46 ) بالغاً طور شيخ الروح وواصلاً وسط الطريق * ( قالت رب أنى يكون لي ولد ) * مثل هذا * ( ولم يمسسني بشر ) * وهو تعجب من ولادتها ذلك من غير تربية معلم بشري لما أن العادة جرت بأن الوصول إلى المقامات العلية إنما هو بواسطة شيخ مرشد يعرف الطريق ويدفع الآفات ، وقد شاع أن الإنسان متى سلك بنفسه ضل أو لم يفز بكثير ، ومن كلامهم الشجرة التي تنبت بنفسها لا تثمر * ( قال كذلك الله يخلق ما يشاء ) * ( آل عمران : 47 ) فله أن يصطفي من شاء من غير تربية مرب ولا إرشاد مرشد بل بمجرد الجذبة الإلهية ، وهذا أن المرادين وبعض المريدين : رب شخص تقوده الأقدار * للمعالي وما لذاك اختيار
غافل والسعادة احتضنته * وهو عنها مستوحش نفار
* ( ويعلمه ) * ( آل عمران : 48 ) بالتعليم الإلهي الغني عما يعهد من الوسائط كتاب العلوم المعقولة وحكم الشرائع ومعارف الكتب الإلهية من توراة الظاهر وإنجيل الباطن ؛ * ( و ) * يجعله * ( رسولاً ) * * ( إلى ) * الروحانيين من * ( بني إسرائيل ) * الروح قائلاً :
تفسير الآلوسي — صفحة 173
مساهمون: الآلوسي
ص١٧٣