تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
أنه خبر لمقدر أي : هي أني الخ ؛ وقرأ نافع * ( إني ) * بكسر الهمزة على الاستئناف ، والمراد بالخلق التصوير والإبراز على مقدار معين لا الإيجاد من العدم كما يشير إليه ذكر المادة ، والهيئة مصدر بمعنى المهيأ كالخلق بمعنى المخلوق ، وقيل : إنها اسم لحال الشيء وليست مصدراً وإنما المصدر الهىء والتهيؤ فهي على الأول : جوهر وعلى الثاني : عرض ، وفسروها بالكيفية الحاصلة - من إحاطة الحد الواحد أو الحدود - بالجسم ، والمعنى أني أقدر - لأجل تحصيل إيمانكم ودفع تكذيبكم إياي - من الطين شيئاً مثل الطير المهيأ أو هيئة كائنة كهيئته والكاف إما اسم - كما ذهب إليه أبو الحسن - في موضع نصب على المفعولية - لأخلق - أو نعت لمفعول محذوف له ، وإما حرف - كما ذهب إليه الجمهور - فتتعلق بمحذوف وقع نعتاً أيضاً لما وقع هو نعتاً له على تقدير الاسمية . وقرأ يزيد وحمزة - كهية - بتشديد الياء . وكان ابن المقسم يقول : بلغني أن خلفاً يقول : إن حمزة يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها . وقرأ أهل المدينة ويعقوب - الطائر - ومثله في المادة . * ( فَأَنْفُخُ فيه ) * الضمير للهيئة المقدرة في نظم الكلام لكن بمعنى الشيء المهيأ لا بمعنى العرض القائم به إذ لا يصح أن يكون ذلك محلاً للنفخ . وذكر الضمير هنا مراعاة للمعنى كما أنث في المائدة مراعاة للفظ قيل : وصح هذا لعدم الإلباس ، ووقع في كلام غير واحد كون الضمير للكاف بناءاً على أنها اسم ويعود ذلك في الحقيقة إلى عود الضمير إلى الموصوف بها . واعترضه ابن هشام بأنه لو كان كما زعموا لسمع في الكلام مررت - بكالأسد - وبعضهم بأن عود الضمير إليها غير معهود . وقرئ - فيها - * ( فَيَكُوهُ طَيْراً ) * حياً طياراً كسائر الطيور . وقرأ المفضل - فتكون - بتاء التأنيث ، ويعقوب وأبو جعفر ونافع - طائراً - * ( بإذْن الله ) * متعلق - بيكون - أو - بطيراً - والمراد بأمر الله ، وأشار بذلك إلى أن إحياءه من الله تعالى ولكن بسبب النفخ ، وليس ذلك لخصوصية في عيسى عليه السلام وهي تكونه من نفخ جبريل عليه السلام ، وهو روح محض - كما قيل - بل لو شاء الله تعالى الإحياء بنفخ أي شخص كان لكان من غير تخلف ولا استعصاء ، قيل : وفي هذه المعجزة مناسبة لخلقه من غير أب ، واختلف هل كان ذلك بطلب واقتراح أم لا ؟ فذهب المعظم إلى الأول قالوا : إن بني إسرائيل طلبوا منه على سبيل التعنت جرياً على عادتهم مع أنبيائهم أن يخلق لهم خفاشاً فلما فعل قالوا : ساحر وإنما طلبوا هذا النوع دون غيره لأنه أكمل الطير خلقاً وأبلغ دلالة على القدرة لأن له ناباً وأسناناً ويحيض ويلد ويطير بغير ريش ، وله آذان وثدي وضرع ويخرج منه اللبن ، ويرى ضاحكاً كما يضحك الإنسان ، ولا يبصر في ضوء النهار ، ولا في ظلمة الليل ، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة وبعد طلوع الفجر ساعة قبل أن يسفر جداً ، والمشهور أنه لم يخلق غير الخفاش ، وأخرجه أبو الشيخ عن ابن عباس ، قال وهب : كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز عن خلق الله تعالى بلا واسطة ، وقيل : خلق أنواعاً من الطير . وذهب بعضهم إلى الثاني فقد أخرج ابن جرير عن ابن إسحاق أن عيسى عليه السلام جلس يوماً مع غلمان من الكتاب فأخذ طيناً ، ثم قال : أجعل لكم من هذا الطين طائراً ؟ قالوا : أو تستطيع ذلك ؟ قال : نعم بإذن ربي ، ثم هيأه حتى إذا جعله في هيئة الطائر نفخ فيه ، ثم قال : كن طائراً بإذن الله تعالى فخرج يطير من بين كفيه ، وخرج الغلمان بذلك من أمره فذكروه لمعلمهم وأفشوه في الناس . * ( وَأُبْرىءُ الأَكْمَهَ ) * عطف على * ( أخلق ) * فهو