النطق فلا يضر كونها في حكم الغيبة مع كون هذا في حكم التكلم إذ يكون المعنى حال كونه - وجيهاً - ورسولاً ناطقاً بكذا ، والرسول على سائر التقادير صفة كشكور وصبور ، وفعول هنا بمعنى مفعل ، واحتمال - أن يكون مصدراً كما قال أبو البقاء مثله في قول الشاعر : أبلغ أبا سلمى ( رسولاً ) تروعه
ويجعل معطوفاً على * ( الكتاب ) * ( آل عمران : 48 ) أي ويعلمه رسالة - بعيد لفظاً ومعنى ، أما الأول : فلأن المتبادر الوصفية لا المصدرية ، وأما ثانياً : فلأن تعليم الرسالة مما لا يكاد يوجد في كلامهم ، والظرف إما متعلق - برسولاً - أو بمحذوف وقع صفة له أي - رسولاً كائناً إلى بني إسرائيل أي كلهم ، قيل : وتخصيصهم بالذكر للإيذان بخصوص بعثته ، أو للرد على من زعم من اليهود أنه مبعوث إلى غيرهم . ولي في نسبة هذا الزعم لبعض اليهود تردد - وليس ذلك في الكتب المشهورة - والذي رأيناه فيها أنهم في عيسى الذي قص الله تعالى علينا من أمره ما قص فرقتان : فرقة ترميه - وحاشاه بأفظع ما رمت به أمة نبيها - وهم أكثر اليهود ، وفرقة يقال لهم ( العنانية أصحاب عنان بن داود رأس الجالوت يصدقونه في مواعظه وإشاراته ويقولون : إنه لم يخالف التوراة البتة بل قررها ودعا الناس إليها ، وإنه من المستجيبين لموسى عليه السلام ، ومن بني إسرائيل المتعبدين وليس برسول ولا نبي ، ويقولون : إن سائر اليهود ظلموه حيث كذبوه أولاً ولم يعرفوا مدعاه وقتلوه آخراً ولم يعرفوا مرامه ومغزاه ) نعم من اليهود فرقة يقال لهم العيسوية - أصحاب أبي عيسى إسحق بن يعقوب الأصفهاني الذي يسميه بعضهم ( بعرقيد الوهيم ) - يزعمون : أن لله تعالى رسولاً بعد موسى عليه السلام يسمى المسيح إلا أنه لم يأت بعد ويدعون أن له خمسة من الرسل يأتون قبله واحداً بعد واحد وأن صاحبهم هذا أحد رسله - وكل من هذه الأقوال بعيد - عما ادعاه صاحب القيل بمراحل - ولعله وجد ما يوافق دعواه ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ . هذا واختلف في زمن رسالته عليه السلام فقيل : في الصبا وهو ابن ثلاث سنين . وفي " البحر " : أن الوحي أتاه بعد البلوغ وهو ابن ثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين قيل : وثلاثة أشهر وثلاثة أيام ثم رفع إلى السماء وهو القول المشهور ، وفيه أن أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وقيل : موسى وآخرهم عيسى - على سائرهم أفضل الصلاة وأكمل السلام - وقرأ اليزيدي - ورسول - بالجر على أنه معطوف على ( كلمة ) - أي يبشرك بكلمة وبرسول - .
* ( أَنِّي قَدْ جئْتُكُم ) * معمول - لرسولاً - لما فيه من معنى النطق . وجوز أبو البقاء كونه معمولاً لمحذوف وقع صفة - لرسولاً - أي رسولاً ناطقاً أو مخبراً بأني وكونه بدلاً من * ( رسولاً ) * إذا جعلته مصدراً أي ونعلمه أني قد جئتكم ، أو خبراً لمبتدأ محذوف على تقدير المصدرية أيضاً أي هو أني ، فالمنسبك إما في محل جر أو نصب أو رفع ، وقوله تعالى : * ( بآيَة ) * في موضع الحال أي محتجاً أو متلبساً بآية أو متعلق - بجئتكم - والباء للملابسة أو للتعدية ، والتنوين للتفخيم دون الوحدة لظهور ما ينافيها ، وقرئ بآيات . * ( مِّن رَّبِّكُمْ ) * متعلق بمحذوف وقع صفة - لآية - وجوز تعلقه بجئت ، و * ( من ) * في التقديرين لابتداء الغاية مجازاً ، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لتأكيد إيجاب الامتثال لما سيأتي من الأوامر ، أو لأن وصف الربوبية يناسب حال الإرسال إليهم .
وقوله تعالى : * ( أنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّين كَهَيْئَة الطَّيْر ) * بدل من قوله سبحانه : * ( أني قد جئتكم ) * أو من * ( آية ) * أو منصوب على المفعولية لمحذوف أي أعني ، أو مرفوع على
تفسير الآلوسي — صفحة 167
مساهمون: الآلوسي
ص١٦٧