تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
عن قتادة أنه قال : إن الملائكة شافهته عليه السلام بذلك مشافهة فبشرته بيحيى . * ( قَالَ ) * أي الرب ، والجملة استئناف على طرز ما مر * ( كَذالكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ) * أي يفعل الله ما يشاء أن يفعله من الأفعال العجيبة الخارقة للعادة فعلا مثل ذلك الفعل العجيب والصنع البديع الذي هو خلق الولد مع الحالة التي يستبعد معها الخلق بحسب العادة ، فالكاف في محل نصب على أنها صفة لمصدر محذوف ، والإشارة لذلك المصدر ، وقدم الجار لإفادة القصر بالنسبة إلى ما هو أدنى من المشار إليه واعتبرت الكاف مقحمة لتأكيد الفخامة المشعر بها اسم الإشارة على ما أشير إليه من قبل في نظيره ، ويحتمل الكلام أوجهاً أخر . الأول : أن يكون الكاف في موضع الحال من ضمير المصدر المقدر معرفة أي يفعل الفعل كائناً مثل ذلك ، الثاني : أن يكون في موضع الرفع على أنه خبر مقدم ، و * ( الله ) * مبتدأ مؤخر أي كهذا الشأن العجيب شأن الله تعالى ، وتكون جملة * ( يفعل ما يشاء ) * بياناً لذلك الشأن المبهم ، الثالث : أن يكون * ( كذلك ) * في موضع الخبر لمبتدأ محذوف أي : الأمر كذلك وتكون جملة * ( الله يفعل ما يشاء ) * بياناً أيضاً ، الرابع : أن يكون ذلك إشارة إلى المذكور من حال زكريا عليه السلام كأنه قال : رب على أي حال يكون لي الغلام ؟ فقيل له : كما أنت يكون الغلام لك ، وتكون الجملة حينئذ تعليلاً لما قبلها كذا قالوا ، ولا يخفى ما في بعض الأوجه من البعد ، وعلى كل تقدير التعبير بالاسم الجليل روماً للتعظيم . * ( قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّىءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا واذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بالْعَشِىِّ والإِبْكَارِ ) * . * ( قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيءايَةً ) * أي علامة تدلني على العلوق وإنما سألها استعجالاً للسرور قاله الحسن ، وقيل ليتلقى تلك النعمة بالشكر حين حصولها ولا يؤخر حتى تظهر ظهوراً معتاداً ، ولعل هذا هو الأنسب بحال أمثاله عليه السلام ، وقول السدي : إنه سأل الآية - ليتحقق أن تلك البشارة منه تعالى لا من الشيطان - ليس بشيء كما أشرنا إليه آنفاً ، والجعل إما بمعنى التصيير فيتعدى إلى مفعولين أولهما : * ( آية ) * ، وثانيما : * ( لي ) * والتقديم لأنه المسوغ لكون * ( آية ) * مبتدأ عند الانحلال ، وإما بمعنى الخلق والإيجاد فيتعدى إلى مفعول واحد وهو * ( آية ) * و * ( لي ) * حينئذ في محل نصب على الحال من * ( آية ) * لأنه لو تأخر عنها كان صفة لها ، وصفة النكرة إذا تقدمت عليها أعربت حالا منها كما تقدمت الإشارة إليه غير مرة - ويجوز أن يكون متعلقاً بما عنده وتقديمه للاعتناء به والتشويق لما بعده . * ( قَالَ ءَايَتُكَ الاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ) * أي أن لا تقدر على تكليمهم من غير آفة وهو الأنسب بكونه آية والأوفق لما في سورة مريم ، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن جبير بن معتمر قال : ربا لسانه في فيه حتى ملأه فمنعه الكلام ، والآية فيه عدم منعه من الذكر والتسبيح ، وعلى كلا التقديرين عدم التكليم اضطراري ، وقال أبو مسلم : إنه اختياري ، والمعنى - آيتك أن تصير مأموراً بعدم التكلم إلا بالذكر والتسبيح - ولا يخفى بعده هنا ، وعليه وعلى القولين قبله يحتمل أن يراد من عدم التكليم ظاهره فقط وهو الظاهر ، ويحتمل أن يكون كناية عن الصيام لأنهم كانوا إذ ذاك إذا صاموا لم يكلموا أحداً - وإلى ذلك ذهب عطاء - وهو خلاف الظاهر ، ومع هذا يتوقف قبوله على توقيف ، وإنما خص تكليم الناس للإشارة إلى أنه غير ممنوع من التكلم بذكر الله تعالى * ( ثَلاثَةَ أَيَّام ) * أي متوالية ، وقال بعضهم المراد ثلاثة أيام ولياليها ، وقيل : الكلام على حذف مضاف أي ليالي ثلاثة أيام لقوله سبحانه في سورة ( مريم : 10 ) * ( ثلاث ليال ) * والحق أن الآية كانت عدم التكليم ستة أفراد إلا أنه اقتصر تارة على ذكر * ( ثلاث أيام ) * منها وأخرى على * ( ثلاث ليال ) * وجعل ما لم يذكر في كل تبعاً لما ذكر ، قيل : وإنما قدم التعبير بالأيام لأن يوم كل ليلة