تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا " وجوز أن يراد ما هو أصل معناه فإنه عليه السلام كان سيد قومه وله أتباع منهم ، غاية الأمر أن تلك رياسة شرعية والاتيان به إثر قوله تعالى : * ( مصدقاً ) * للإشارة إلى أنه نبي - كعيسى عليه السلام - وليس من أمته كما يفهمه ظاهراً قوله سبحانه : * ( مصدقاً بكلمة من الله ) * . * ( وَحَصُوراً ) * عطف على ما قبله ومعناه الذي لا يأتي النساء مع القدرة على ذلك - قاله ابن عباس في إحدى الروايات عنه - وفي بعضها إنه العنين الذي لا ذكر له يتأتى به النكاح ولا ينزل ، وروي الحفاظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ما معه عليه السلام كان كالأنملة ، وفي بعض الروايات كالقذاة ، وفي أخرى كالنواة وفي بعض كهدبة الثوب ، قيل : والأصح الأول إذ العنة عيب لا يجوز على الأنبياء ، وبتسليم أنها ليست بعيب فلا أقل أنها ليست بصفة مدح ، والكلام مخرج مخرج المدح ، وما أخرجه الحافظ على تقدير صحته يمكن أن يقال : إنه من باب التمثيل والإشارة إلى عدم انتفاعه عليه السلام بما عنده لعدم ميله للنكاح لما أنه في شغل شاغل عن ذلك . ومن هنا قيل : إن التبتل لنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح استدلالاً بحال يحيى عليه السلام ومن ذهب إلى خلافه احتج بما أخرجه الطبراني عن أبي أمامة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة ، رجل جعله الله تعالى ذكراً فأنث نفسه وتشبه بالنساء ، وامرأة جعلها الله تعالى أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال ، والذي يضل الأعمى ، ورجل حصور ولم يجعل الله تعالى حصوراً إلا يحيى بن زكريا " وفي رواية " لعن الله تعالى والملائكة رجلاً تحصر بعد يحيى بن زكريا " ويجوز أن يراد بالحصور المبالغ في حصر النفس وحبسها عن الشهوات مع القدرة وقد كان حاله عليه السلام أيضاً كذلك . أخرج عبد الرزاق عن قتادة موقوفاً وابن عساكر عن معاذ بن جبل مرفوعاً أنه عليه السلام مرّ في صباه بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال : ما للعب خلقت . * ( وَنبياً ) * عطف على ما قبله مترتب على ما عدد من الخصال الحميدة * ( مِّنَ الصَّالحينَ ) * أي ناشئاً منهم أو معدوداً في عدادهم - فمن - على الأول للابتداء ، وعلى الثاني للتبعيض قيل : ومعناه على الأول ذو نسب ، وعلى الثاني معصوم ، وعلى التقديرين لا يلغو ذكره بعد - نبياً - وقد يقال : المراد من الصلاح ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة البتة من أقاصي مراتبه وعليه مبنى دعاء سليمان عليه السلام : * ( وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) * ( النمل : 19 ) ولعله أولى مما قبل . * ( قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وامْرَأَتِى عَاقِرٌ قَالَ كَذَالِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ) * . * ( قَالَ رَبِّ أنَّى يَكُونُ لي غُلامٌ ) * استئناف مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قال زكريا عليه السلام حينئذ ؟ فقيل : * ( قال رب ) * الخ ، وخاطب عليه السلام ربه سبحناه ولم يخاطب الملك المنادي طرحاً للوسائط مبالغة في التضرع وجداً في التبتل ، و * ( أنى ) * بمعنى كيف ، أو من أين ، وكان يجوز أن تكون تامة وفاعلها * ( غلام ) * و * ( أنى ) * واللام متعلقان بها ، ويجوز أن تكون ناقصة ، و * ( لي ) * متعلق بمحذوف وقع حالا لأنه لو تأخر لكان صفة ، وفي الخبر حينئذ وجهان : أحدهما : * ( أنى ) * لأنها بمعنى كيف ، أو من أين والثاني : أن الخبر الجار ، و * ( أنى ) * منصوب على الظرفية ، وفي التنصيص على ذكر الغلام دلالة على أنه قد أخبر به عند التبشير كما في قوله تعالى : * ( إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ) * ( مريم : 7 ) . * ( وَقَدْ بَلَغَنَي الْكبَرُ ) * حال من ياء المتكلم أي أدركني الكبر وأثر
تفسير الآلوسي — صفحة 148 | الآلوسي