ثالثاً : إنّ هذا السبيل في الحل تارةً نقصد به البراءة العقليّة ، وأخرى نريد به البراءة الشرعية :
أ - فإن أريد البراءة العقلية ، فيرد عليها :
1 - إنها باطلة من رأس ، لصحّة مسلك حق الطاعة دون قبح العقاب بلا بيان .
2 - إنه إذا كان دليل الانسداد مفاده حجية الظن على الكشف ، فسوف يكون الظنّ في حال الانسداد بياناً عن الواقع ، فيكون وارداً على قاعدة البراءة العقلية ؛ لأنّ موضوعها عدم البيان ، والعقل يقول في دليل الانسداد : إنّ الظن بيان ، فلا معنى لإجراء البراءة .
وعليه فالبراءة العقلية لا صحّة فيها ، إما مطلقاً أو على تقدير الكشف .
ب - وأما إذا أريد البراءة الشرعية ، فهنا إما أن يكون مدركها الكتاب أو أخبار الآحاد ، لعدم وجود نص قطعي من السنّة على قاعدة البراءة ، وعليه :
1 - إذا كان مدركها الكتاب ، مثل قوله تعالى :
( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا )
( الإسراء : 15 ) ، وكان الانسداديّ رافضاً لحجيّة الظهور بشكل يشمل مثل دليل البراءة ، لم يعد يمكن استنباط أصالة البراءة الشرعية ؛ لعدم حجيّة الظهور الدالّ عليها . نعم إذا كان مرجع الانسداد هو إنكار أخبار الآحاد فقط ، أمكن إجراء البراءة بلا محذور في ذاتها بعد استنباطها من نصّ الكتاب ، وتكون مقدّمةً على حجية مطلق الظن على الحكومة ؛ لتوقّفها على عدم الترخيص وقد جاء .
2 - وأما إذا كان مدركها أخبار الآحاد ، فلا إمكانية لاستخراج أصالة البراءة الشرعيّة ؛ لأنّ القائل بالانسداد ، لا يخلو حاله من أن ينكر أخبار الآحاد أو الظهورات ، وعلى الحالين لا يمكن استنباط أصالة البراءة الشرعية من مثل حديث الرفع « 1 » .
فادّعاء إمكانية إجراء البراءة مطلقاً فيه عجز في المقتضي في حدّ نفسه .
هامش
( 1 ) انظر : الصدر ، بحوث في علم الأصول 4 : 433 - 434 .