تفسيراً للمفردة ، بقدر ما بات هو التطبيق الشائع للكلمة بعد هيمنة الثقافة الإسلاميّة والقرآنيّة ، فالفاسق هو الخارج عن جادّة الشيء ، سواء سمّي فاسقاً في الشرع أم لا ، ولعلّ الذين عبّروا عنه هنا بالكاذب من المفسّرين أخذوا سياق الآية الشريفة ؛ لأنّ الفسق ما دام هو الخروج عن الحدّ الطبيعي للأمور ، فجعله في سياق الحديث عن الإخبارات يجعل الخروج فيه بمعنى الكذب ؛ إذ هذا هو المعنى المتبادر والمنصرف .
وإذا رجعنا إلى الاستخدامات القرآنية للكلمة وجدنا :
أ - استعمالها بمعنى الخروج واضحاً في مثل :
( إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ )
( الكهف : 50 ) ، فلو كان الفسق خروجاً عن الدين للزم التكرار في كلامه تعالى ؛ لأنّ أمر الله مستبطن في كلمة الفسق .
ب - واستعمالها في مقابل الإيمان ، كقوله تعالى :
( أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ )
( السجدة : 18 ) ، وقوله سبحانه :
( مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ )
( آل عمران : 110 ) وقوله عز من قائل :
( وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ )
( النور : 55 ) ، وقوله تبارك وتعالى :
( فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ )
( الحديد : 26 ) ، وقوله عز وجلّ :
( فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ )
( الحديد : 27 ) .
ولعلّ هذه المقارنة والمقاربة في النوع الثاني من الاستخدامات هو الذي أوحى بتكوّن مفهوم الخروج عن الدين وإسقاطه على كلمة الفسق ، في حال يمكن أن يكون ذلك تطبيقاً جليّاً للانحراف والخروج عن الجادّة ؛ لأنّنا نستبعد أن تكون كلمة فاسق ذات معنى ديني في لغة الجاهليّة ، والاستخدامات القديمة لها لا توحي بذلك ، ولعلّ هذا ما يطلّ بنا على ما قيل من عدم وجود هذه الكلمة قبل الاسلام بصيغة اسم الفاعل .
وعليه ، فالأقرب في الجذر اللغوي أن يكون معنى الفاسق هو الخارج عن الحدّ المستقيم وجادّة الوسط ومقتضى الشيء ، والتي يمثلها الإسلام أيضاً في أكثر من موقع .