الأمر من اتباع غير العلم بقطع النظر عن اتهام الآخرين وقذفهم بألوان السوء ؟ ! « 1 » ، ولعلّ هذا يقترب ممّا أفاده الغزالي من أنّ المراد بالآية منع الشاهد عن جزم الشهادة إلا بما يتحقّق « 2 » .
وهذا الكلام وإن كان محتملًا ، إلا أنّ الظاهر من الآية كون القفو بمعنى الاقتفاء ، أي لا تتّبع أثر شيء ليس لك به علم ، من قولنا : اقتفاء الأثر ، وذيل الآية لا ينافي هذا المعنى المعروف ، فإنها تريد أن تقول : لا تتّبع غير ما علمت به ؛ فإنك تُسأل عن ما سمعت وأبصرت وأيقنت في قلبك ، فإن اتّبعت ما لم تره ولم تبصره تكون اتبعت واقتفيت أثر الجهل ، فالذيل عام يصلح للقذف وغيره ، ولا موجب لتخصيصه به .
وهذا هو الظاهر من جملة من المفسّرين أيضاً كالطوسي في التبيان « 3 » ، والزمخشري في الكشاف « 4 » ، والطبرسي في جوامع الجامع « 5 » ، ومجمع البيان « 6 » و . . والاقتفاء في كتب اللغة يقع بهذا المعنى أكثر من وقوعه في المعنى الذي ذكره السيد الأستاذ ، كما هو واضح لمن راجع كلماتهم ، بل هو المنصرف في الاستعمالات العربيّة . ولعلّ من مؤيّدات ذلك أنّه لو كان القفو بمعنى القذف لناسب أن يقول : ولا تقف ( تقذف أو ترمي ) بما ليس لك به علم ، بينما الآية وردت بلسان : ولا تقف ما ليس لك به علم ، وهو أليق باقتفاء أثر غير المعلوم ، لا القذف بغير المعلوم .
وعليه ، فهذه المناقشة الرابعة غير صحيحة .
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول 4 : 339 ، الهامش رقم : 1 .
( 2 ) المستصفى 1 : 434 .
( 3 ) الطوسي ، التبيان 6 : 477 .
( 4 ) الزمخشري ، الكشاف 2 : 449 .
( 5 ) الطبرسي ، جوامع الجامع 2 : 373 .
( 6 ) الطبرسي ، مجمع البيان 6 : 250 ( الأعلمي ) .