أولًا : الجمرات ، تاريخها وتحديد هويّتها
المعروف اليوم - حينما تطلق كلمة الجمرات أو الجمار - أنّها تلك الأعمدة المنصوبة في منى ، غير أنّ بحثاً أثير حول مدى حداثة هذه الأعمدة ، وهل هي أبنية استجدّت بعد عصر النصّ أو أنّها كانت موجودة حينه ؟ ومن الواضح أنّ هذا بحثٌ تاريخيّ خارجي ، له أثر فقهي كما سنلاحظ .
ثمّة وجهتا نظر :
الأولى : إنّ هذه الأعمدة هي الجمرات عينها ، ومن ثمّ ينبغي التعامل مع نصوص الرمي للجمار ، بنحوٍ نطبّقها على الأعمدة الموجودة حالياً .
الثانية : إنّ هذه الأعمدة ظاهرة مستجدّة ، والجمار في الحقيقة ، وهو ما تعنيه الروايات ، ليس سوى تلك المجموعة من الأحجار المتراكمة ، أي أنّ مساحتها أوسع من مجرّد مساحة العمود ، فهي تشمل الأرض المحيطة أيضاً .
ويترتّب على هذا الفارق إمكانية رمي هذه المساحة على القول الثاني ، دونه على القول الأوّل ، إذ عليه أقصى ما يمكن رميه ، هو العمود على تقدير وجوده ، أو موضعه فحسب ( لا المحيط به ) على تقدير عدمه .
وسوف نستعرض أدلّة القولين على الترتيب في الفقرات التالية :
1 - نظرية كون الجمرات أعمدة ، الأدلّة والشواهد
هذا القول هو المعروف اليوم بين الفقهاء ، وبالتأكيد يعود التصريح به إلى فترة سابقة ، وأقدم نصّ فقهي يتحدّث بصراحة عن هويّة الجمرات هو - على ما يبدو - ما ذكره الشهيد الأوّل ( 786 ) في كتابه الدروس حيث قال : « الجمرة اسم لموضع الرمي ، وهو البناء أو موضعه ممّا يجتمع من الحصى ، وقيل : هي مجتمع الحصى لا السائل منه ، وصرّح علي بن بابويه بأنّه الأرض » « 1 » .
وقد كان نادراً أن يتحدّث فقيه بصراحة عن هويّة الجمرات ، فبعد الشهيد الأوّل ،
هامش
( 1 ) . الدروس الشرعيّة 1 : 428 .