تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
أنصار هذه النظرية يقولون بأنّ كل أوامر القرآن والسنّة في الجهاد إنّما تتحدّث عن الجهاد الدفاعي الذي يدافع فيه المؤمنون عن أنفسهم ووجودهم وكيانهم وحريّتهم ، فأنا أقول للكافر : لك دينك ولي ديني ، وفي الوقت عينه لا أسمح له بالاعتداء عليّ ، ولا تناقض بين هذين المفهومين . ثانياً : أمّا بالنسبة لمشهور علماء المسلمين الذين يرون شرعيّة بل وجوب الجهاد الابتدائي الدعوى ، فهم لا يفهمون هذه الآية بمعنى الترخيص للكافرين بأن يكون لهم دينهم ، كما فهمها بعض أنصار التعدّدية الدينية من المعاصرين ، وإنّما يفهمون منها البراءة ، فعندما تقول لشخص : لك انتماؤك السياسي ولي انتمائي السياسي ، فهذا معناه أنّ انتمائي غير مرتبط بك وإنني لا أنتمي ذلك الانتماء الذي تقوم به أنت ، فبيني وبينك قطيعة وبراءة ، ولهذا اعتُبرت هذه الآية الكريمة من آيات البراءة بين المسلمين والمشركين ، لا من آيات ترخيص الكفر للكافرين بنصّ القرآن الكريم . ولكم أن تلاحظوا سياق الآيات السابقة عليها ، فكلّها تريد التأكيد على أنّكم في وادٍ وأنا في وادٍ آخر ، وأنّني لا آتي إلى واديكم وأنكم لا تأتون إلى واديّ ، فبيننا تمام الانفصال ، لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم تعبدون ما أنا عابد له ، فليست الآية - من وجهة نظر جمهور المفسّرين والفقهاء - ذات علاقة بسياسة الحرب معهم ، بل هي على علاقة بسياسة القطيعة والمفاصلة معهم لتكوين مجتمع إسلامي مستقلّ منفصل تماماً في بُنيته الاعتقادية عن الكافرين ، وإذا كنت على قطيعة معك فهذا شيء ، وأن أحاربك لُاخضِعك لحكمي وسلطاني شيء آخر ، بل الحرب قد تؤكّد القطيعة بهذا المعنى . هذا هو فهم العلماء المسلمين للموضوع ، فلا تنافي من وجهة نظرهم أيضاً .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 198 | حيدر حب الله