أتباع الدين ( أهل الكتاب ) ، سيفترى عليهم ويكذب ، سيظلمون بغيبتهم وبهتانهم وتتبع عثراتهم وتناسي حسناتهم وتشويه صورتهم وتضخيم سلبياتهم وتقزيم إيجابياتهم وغير ذلك . إن الأذى ليس بقليل ، إنه أذى كثير كما وصفته الآية ، لكن ما هو المفترض فعله ؟ إنه خطوتان هامتان هنا ، هما :
الصبر والتحمّل إلى جانب التقوى ، كما قالت الآية المتقدّمة ، وعدم الانفعال والخروج عن قواعد الهدوء والسكينة اللتين يتصف بهما المؤمن التقيّ .
لقد علّم الله سبحانه رسوله أن لا يستدرج ويستخفّ في هذه المواقع ، قال تعالى :
( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ )
( الروم : 60 ) .
لماذا الصبر ؟ كي لا تكون أفعال الآخرين وتصرّفاتهم السلبية تجاه الدعوة الدينية استفزازاً يخرج الإنسان عن حالته الطبيعية ، فيصيّره خفيفاً لا وزن له ، فينفعل ويضطرب ويغضب ، وتصدر منه التصرّفات المشينة ، فيفقد التقوى ، فيكون الحقّ معه ثم ينقلب عليه .
فيا محمد ، انتبه من أن يجعلك هؤلاء في تصرفاتهم الصبيانية والسفهية خفيفاً لا تزن كلماتك أو أفعالك . فهذه هي قيمة الصبر هنا ، في أنه لا يسقط حركة التغيير في الانفعال الذي يشوّه صورتها ، ويهبط بها إلى مستوى خصومها التافهين من مشركي قريش وأنصارهم .
ومن هنا أيضاً نفهم معنى قوله تعالى :
( وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً )
( الفرقان : 63 ) ، فإنّ هذا الجواب ( السلام ) تعبير آخر عن ردّة الفعل الهادئة والمتعالية في الوقت عينه عن نمطهم السفهي في مواجهة الآخرين ، وذلك أنّ واحدةً من أخطر مظاهر العداء مع الآخر هي أن يتأثر الإنسان بخصمه ، فيجرّه خصمه لكي يفعل أفعاله وينزل