صدق أحدهما صاحبه ولا يقال : آمن له لأنه لم يكن غائبا عنه ائتمنه عليه ولهذا قال : « فآمن له لوط » « أنؤمن لبشرين مثلنا » . « آمنتم له » . « يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين » فيصدقهم فيما أخبروا به . مما غاب عنه وهو مأمون عنده على ذلك فاللفظ متضمن مع التصديق ومعنى الائتمان والأمانة ؛ كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق ولهذا قالوا : « وما أنت بمؤمن لنا » أي لا تقر بخبرنا ولا تثق به ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين ؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك . فلو صدقوا لم يأمن لهم .
( الثالث ) : أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له : صدقت أو كذبت ويقال : صدقناه أو كذبناه ولا يقال لكل مخبر : آمنا له أو كذبناه ؛ ولا يقال أنت مؤمن له أو مكذب له ؛ بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر . يقال : هو مؤمن أو كافر والكفر لا يختص بالتكذيب ؛ بل لو قال : أنا أعلم إنك صادق لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم ؛ فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط بل إذا كان الكفر يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعا بلا تكذيب ؛ فلا بد أن يكون الإيمان تصديقا مع موافقة وموالاة وانقياد لا يكفي مجرد التصديق ؛ فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان كما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر فيجب أن يكون كل مؤمن مسلما منقادا للأمر وهذا هو العمل .
الإيمان — صفحة 277
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٧٧