وأمّا ما هو ذلك الاضطراب والتشويش الذي كان إبراهيم ( ع ) بصدد إزالته ؟ ففيه خفاء ، فلا يبعد أنّه كان إبراهيم ( ع ) مشتاقاً ليرى ببصره إحياءه تعالى ، وهذا الشوق والانتظار كان يؤذيه بدرجة أوجدت في قلبه الاضطراب والتشويش ، ومن هنا يقال : الانتظار أشدُّ من الموت ، فقوله ( ع ) في جوابه تعالى :
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
لعلّه يريد هذا المعنى ، فالمعنى أنّ رؤية الإحياء انّما كانت لحصول السكون في قلبه ، ولإزالة التشويش والاضطراب الحاصل من ذلك الانتظار لرؤيته احياء الموتى ، ونيله إلى ما كان ينتظر من عنايته تعالى .
ويقرب من هذا المعنى ما نقله الصدوق في العيون ، عن عليّ بن محمّد بن الجَهم ، قال : حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليّ بن موسى ، فقال له المأمون : يا بن رسول الله ، أليس من قولك : انّ الأنبياء معصومون ؟ قال : « بلى » ، فسأله عن آيات من القرآن ، فكان فيما سأله أن قال له : فأخبرني عن قول الله :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
؟ قال الرضا ( ع ) :
إنّ الله تبارك وتعالى كان أوحى إلى إبراهيم : أنّى متّخذ من عبادي خليلًا إن سألني إحياء الموتى أجبته ، فوقع في قلبه أنّه ذلك الخليل ، فقال :
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
بالخلّة
« 1 » .
وأنت ترى أنّ الخبر يدلّ على أنّه ( ع ) كان في التشويش والاضطراب والميل والانتظار لرؤية الاحياء الموجب لحصول العلم بالخلّة ؛ فلا يصحّ ذلك الّا بما ذكرنا من المعنى .
وتحصّل من تمام ذلك : أنّه لا وجه لحمل الاطمئنان على التشكيك بأصل إحيائه تعالى الموتى ؛ لأنّ حمله على ذلك لا وجه له ، مع أنّه بعيد عن ساحته ، بل المراد من الاطمئنان هو سكون القلب من التشويش والاضطراب .
هامش
( 1 ) . تفسير البرهان 1 : 250 .