تفسير : فقالوا ابنوا عليهم بنياناً
وأمّا ثالثاً : فإنّ قوله تعالى :
فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً
ظاهر في التفريع على التنازع ، فيكون المناسب أن يراد من
« أَمْرَهُمْ »
: أمر أصحاب الكهف حتّى يتفرّع عليه قولهم :
« ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً »
، ولو أريد به أمر الناس ومعادهم لَبَعُد التفريع حينئذٍ ؛ لأنّه حينئذٍ لابدّ من أن يكون التفريع على صدر الآية ، وهو قوله :
« وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا »
، وهو وإن كان صحيحاً في المعنى إلّا أنّه بعيدٌ بعد قوله تعالى :
لِيَعْلَمُوا
وقوله :
إِذْ يَتَنازَعُونَ
، فافهم ،
وأمّا رابعاً : أنّ قوله تعالى :
رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ
يؤيّد أنّ المراد هو أمر أصحاب الكهف ، بمناسبة أنّ النزاع حيث كان في أمرهم قال جماعة منهم :
« رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ »
وردّوا بقولهم هذا قول الخصم وادّعائهم في أمرهم ما ادّعوا .
وتحصّل من تمام ذلك : أنّ هذا الوجه بعيدٌ ولا وجه للمصير إليه ، ومن تمام ذلك يعلم جودة الوجه الثاني الذي أشار اليه العلّامة في كلامه ولم يستحسنه ، حيث قال : ( ومن هنا يظهر وجه آخر لقوله تعالى :
إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ
، وهو رجوع الضميرين الأوّلين إلى الناس ، والثالث إلى أصحاب الكهف ، وكون « إذ » ظرفاً لقوله :
« لِيَعْلَمُوا »
، ويؤيّده قوله بعده :
رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ
) « 1 » .
قلت : وعليه يصير المعنى : أنّه أعثرنا الناس عليهم ليعلم أصحاب الكهف أنّ وعد الله حقّ ، وأنّ الساعة لا ريب فيها ، وهذا العلم حصل ؛ إذ يتنازعون الناس بينهم في امر أصحاب الكهف ، وأنّه من أمر الله وإعجازه تعالى ، أو أنّه أمر لا يعلم ما هو فربّهم أعلم بهم ، وبعد هذا التنازع قالت فرقة المشركين : ابنوا عليهم بنياناً ليقطع آثارهم وليكون أمرهم متروكاً . وقالت فرقة المؤمنين الذين علموا حالهم وأمرهم :
« لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً »
، أي : معبداً .
هامش
( 1 ) . المصدرالسابق : 13 / 284 .