Commentary
وكيف كان ، فالصدر يدلّ على المرام ، إلّا أنّ ذيل الرواية مشتمل على ما لا يلتزم به فقهاؤنا قدس سرهم أعني قوله « وعليه اتمام الصلاة إذا رجع إلى منى . . . » لأنّه يكون مسافراً قطعاً بعد خروجه إلى عرفات كما لا يخفى ، فكيف بالإتمام في منى ؟ !
ومن هنا ردّه المحقق الخوئي قدس سره إمّا بطرحها أو اختصاصها بمكّة ، وإن كانت على خلاف المشهور حيث قال : ولكن الظاهر لزوم طرح الرواية لا بمجرّد الإجماع المزبور ليناقش في كونه تعبّديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم ، ولا من أجل الإعراض ، ليورد بعدم كونه مسقطاً للصحيح عن الاعتبار على مسلكنا ، بل من أجل ما أسميناه بالدليل الخامس . فإنّ هذه المسألة - أعني الإقامة بمكّة قبل يوم التروية عشرة أيام - كثيرة الدوران ومحلّ للإبتلاء جدّاً ، ولا سيّما في الأزمنة السالفة الفاقدة للمراكب السريعة المتداولة في العصر الحديث ، فكانوا يضطرّون للإقامة المزبورة طلباً للاستراحة من وعناء السفر ، كما أشير اليه في الأخبار ، فلو كان الحكم الذي تضمّنته الصحيحة ثابتاً ، لكان شايعاً ذائعاً ومن الواضحات من غير أيّ خلاف فيه ، مع أنّه لم يقل به أحد فيما نعلم ، بل لعلّ الإجماع على خلافه كما عرفت ، ولأجله تسقط الرواية عن درجة الاعتبار ويردّ علمها إلى اللّه « 1 » .
فيلاحظ عليه : أنّه قدس سره كيف يلتزم بسقوط الرواية عن الاعتبار مع عدم ذهابه إلى حجّيّة الإجماع والشهرة واعراضهم ؟ ودليله الخامس يرجع إليها ، وليس دليلًا مستقلّاً ، كما لا يخفى . وعندئذ ، لو صحّ التبعيض في حجّيّة الخبر بالأخذ ببعضه وطرح الباقي ، يتمّ الإستدلال بالرواية فنأخذ بصدرها ويتمّ المطلوب ، إلّا أنّ الشأن في صحّة ذلك ، فقد استشكل العلّامة البروجردي قدس سره فيه ، بأنّ الدليل على حجّيّة الخبر هو بناء العقلاء ، وهو لا يقبل التبعيض ، فيدور أمر الرواية بين الحجّة وعدمها .
ولكن يمكن أن يقال : أنّه لا مانع من التبعيض في الحجّيّة عقلًا ، ولذا التزم به جملة من الأصحاب في مقامات كثيرة ، وما ذكر من عدم قبول بناء العقلاء للتبعيض دعوى
Footnote
( 1 ) . مستند العروة ، ج 8 ، ص 97 .