شرح
المسكن في الوطن العرفي ولو استيجاراً أو غصباً فهو وإن لم يكن بهذه البشاعة الّا أنّه بعيد ايضاً نظراً إلى ما هو المشاهد ، في غير واحد من البلاد ، فنرى جماعة - وهم غير قليلين - يسكنون في حاشية الطرق والشوارع وينامون في فناء الأبنية والدكاكين من دون أن يكون لهم منزل وينتقلون من هنا إلى هناك ، من البرد والحرّ وازعاج الشرطة ، وهل يمكن القول بأنّهم غير متوطّنين ؟ كلّا ، ويشهد على ذلك ملاحظة حال أصحاب الصفّة فانّهم يعدّون من أهل المدينة قطعاً مع عدم وجود منزل لهم ولو بالإستيجار .
ولنا أن نقول : - تأييداً لمنكري الوطن الشرعي - انّ الرواية لا تدلّ على اعتبار الملك في الوطن أصلًا ، لأنّ غاية ما تدلّ عليه - بالنظر إلى قوله عليه السلام يكون فيها منزل - أن يكون له في الضيعة محلّ مخصوص يعيش فيه ، وأمّا كونه ملكاً له ايضاً فلا تدلّ عليه الرواية .
إن قلت : انّ قوله : « يقصّر في ضيعته » ظاهر في كونها ملكاً له ، فيكون المنزل الواقع فيها ملكاً له ايضاً .
قلت : نعم إلّا أنّه من كلام السائل وليس من كلام الإمام عليه السلام فلا يدلّ على اعتبار الملكيّة .
نعم لو كانت الضيعة مذكورة في كلام الإمام عليه السلام ابتداءً لكان مفيداً لإعتبار الملكيّة . وعلى هذا فالضيعة في الخبر كالتوطئة لقوله « أن يكون فيها منزل » . فافهم .
إذا تقرّر ذلك وتبيّن انّه نظر منكري الوطن الشرعي ومثبتيه نقول إنّه لا بأس بالقول بثبوت الوطن الشرعي بمقتضى صحيحة ابن بزيع المتقدّمة . بتقريب أنّ قوله عليه السلام : « أن يكون له فيها منزل يستوطنه . . . » وان كان مضارعاً إلّا أنّه أريد منه الماضي ، أو مطلق الزمان الذي لا يتنافي الإقامة المتحقّقة في الماضي ، فإنّه كثيراً ما ينسلخ الفعل من الزمان كما حقّق في محلّه . بل المسلّم إرادة الماضي من المضارع في غير واحد من نصوص الباب . ولم يلاحظ فيها الزمان أصلًا .