شرح
العمل بكلّ خبر صحيح أيّاً ما كان . ومع ذلك لم يقل بوجوب الذكر المزبور استناداً إلى قاعدة أسّسها وبني عليها في غير واحد من المقامات ، وهي أنّ المسألة كثيرة الدوران ومحلّ للإبتلاء غالباً لعدم خلوّ كلّ مكلّف عدا من شدّ عن السفر بل الأسفار العديدة ، وفي مثله لو كان الوجوب ثابتاً لاشتهر وبان وشاع وذاع ولم يقع محلّاً للخلاف . وكيف ولم يذهب اليه أحد فيما نعلم والسيرة العمليّة قائمة على خلافه ، فيكون ذلك كاشفاً قطعيّاً عن عدم الوجوب . ولإجله لا مناص من حمل الصحيحة على الاستحباب ، وانّه يتأكّد في حقّ المسافر ، لثبوت الاستحباب لغيره أيضاً من باب التعقيب . . . « 1 » .
وفيه أوّلًا : أنّه لا عبرة لإعراض الأصحاب وعدم عملهم بالخبر الصحيح وغيره عنده قدس سره ، فكيف يحصل له القطع بعدم الوجوب من عدم اشتهاره بين القوم ؟
وثانياً : انّ السيرة لا عبرة بها ما لم تفد القطع كما في المقام ، لأنّه يحتمل أن يأتي أكثر الناس بالذكر المزبور خفاء من غير ظهور .
وبعبارة أخرى : أنّ السيرة انّما اعتبرت لو اتّصلت بزمن الأئمّة عليهم السلام ، ولم يثبت هذا المناط في المقام . اللّهمّ إلّا أن يدّعي بأنّ فتوى مثل الصدوق والكليني ونحوهما على الاستحباب قرينة على اتّصالها بزمانهم عليهم السلام .
وبالجملة : الرواية محمولة على الاستحباب للقرائن الّتي أشرنا إليها آنفاً .
ولقد أجاد في « الجواهر » حيث قال بعد نقل الخبر المتقدّم : إذ هو وإن كان مشتملًا على لفظ الوجوب إلّا أنّه لمّا لم يقل به أحد - كما اعترف به في « الرياض » وكان الخبر ضعيف السند ، اتّجه حمله على إرادة مطلق الثبوت ، أو تأكّد الاستحباب منه على أنّه يمكن منع كون لفظ الوجوب حقيقة في المعنى المصطلح بحيث يحمل عليه إذا ورد في الكتاب والسنّة . . . « 2 » .
پاورقی
( 1 ) . مستند العروة ، ج 8 ، ص 428 .
( 2 ) . الجواهر ، ج 14 ، ص 347 .