شرح
وهنا قول ثالث : وهو اعتبار خفاء مطلق الصوت ، وقد اختاره المقدس البغدادي ، وقوّاه في « الجواهر » أخيراً حيث قال : « لكنّ المقدس البغدادي وغيره اعتبر الصوت نفسه ، وهو لا يخلو من وجه ، بل قوّة إذا الظاهر إرادة التمثيل من الأذان لكلّ صوت رفيع يشبهه ، وانما خصّ به لأنّه في العادة أرفع الأصوات حتى تعارف في العرف الكناية به عن رفع الأصوات ، ولأنّه على هذا التقدير تقرب العلامتان من الاتحاد » « 1 » .
وأنت ترى أنّ كلامه هذا يخالف ما سبق .
وإليه مال السيد الحكيم قدس سرّه ، أيضاً حيث قال عند قول الماتن المتقدم : « بل مقتضى الجمود على عبارة النصّ خفاؤه بما هو أذان بحيث لا يتميّز أنّه أذان أو غيره ؛ نعم يحتمل قريباً أن يكون المراد خفاء صوت الأذان بما هو صوت عال بمرتبة خاصة ، فيكون عنوان الأذان ملحوظاً طريقا إلى نفس الصوت » « 2 » .
ولا يخفي أنّ هذا يفترق عن الثاني فانّ المعتبر فيه أن لا يسمع الصوت الذي يحتمل كونه صوت أذان ، بخلافه هنا فانّ المعتبر فيه أن لا يسمع الصوت مطلقاً ؛ وإن ذكر الأذان في الرواية من باب التمثيل .
والأظهر عندي هو القول الثاني ، لأنّه إذا سمع صوتاً وتردّد في كونه أذاناً أو غيره لا يصدق عليه خفاء الأذان ، لعدم تحقّق العلم بعدم كونه أذاناً فلا يحصل قطع الارتباط بينه وبين أهل بلده أو قريته ، وهذا إنّما يحصل فيما إذا لم تتشخّص الأصوات عنده ، وانه هل يستغيث أو يقرأ القرآن أو نحو ذلك ؟
وأمّا القول بكفاية عدم تمييز بعض الفصول عن بعض - كما مال إليه صاحب الجواهر في ابتداء كلامه مستدلًّا بعدم صدق سماع الأذان - فيشكل الالتزام به لصدق سماع الأذان معه عرفاً كما لا يخفي .
پاورقی
( 1 ) - الجواهر ، ج 14 ، ص 296 .
( 2 ) - المستمسك ، ج 8 ، ص 96 .