شرح
ومن تمام ذلك يعلم أنّ المتعيّن ما هو المشهور بل المجمع عليه من اعتبار حدّ الترخّص ، لما سيجيء من الادلّة الواضحة فانتظر .
أمّا الموضع الثاني : ففي تعيين حدّ الترخص بعد الفراغ من اعتباره شرعاً . وحيث إنّ ما قيلَ فيه أو يمكن أن يُقال نشأ من اختلاف الأخبار الواردة في المقام ، فلابدّ من ملاحظتها أوّلًا ليتّضح الحال ، وهي على طائفتين :
الأُولى : رواية واحدة ، وهي ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال : قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الرجل يريد السفر متى يقصّر ؟ قال : « إذا توارى من البيوت » « 1 » .
وهي ظاهرة في أنّ حدّ الترخص - الّذي لا يجوز التقصير قبله ذهاباً - عبارة عن المكان الذي إذا بلغه المسافر توارى عن البيوت بحيث لا يراه أهلها لو نظروا إليه ، وحيث لا سبيل إليه أن يعلم بأنّهم يرونه أم لا ؟ وانّ الحديث في مقام ضرب العلامة ، فقلّب الأصحاب عبارة الحديث وقالوا : توارى البيوت عن المسافر ، فإذا توارت البيوت عنه يعلم أنّه متوارٍ أيضاً عن أهل البيوت .
قال البروجردي قدس سرّه : « لا يخفي انّ المذكور في الرواية يخالف ظاهراً ما ذكره الأصحاب ، إذ المذكور في كلماتهم تواري الجدران من المسافر ، والمذكور في الرواية تواري المسافر من البيوت ، والمتبادر من تواريه من البيوت عدم رؤية البيوت إيّاه لو فرض كونها مبصرة ، أو عدم رؤية أهلها إيّاه ، نظير قوله :« وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ » .وبالجملة الحديث يدلّ على اعتبار غيبوبة المسافر عن البلد لا غيبوبة البلد عنه . . . » « 2 »
ويظهر من « الحدائق » تفسيرها بظاهرها ، حيث قال : « لا يخفي انّ الظاهر من صحيح محمد بن مسلم : « إذا توارى من البيوت » انما هو بمعنى إذا بَعُدَ المسافر بالضرب في الأرض على وجه لا يراه أهل البيوت ، والمراد بالتواري عن البيوت ، أي من أهل البيوت بتقدير مضاف كما في قوله تعالى :« وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ »أي من أهلها ، هذا هو ظاهر اللفظ بغير إشكال ، وبه يقرب مقتضى هذا الخبر ونحوه من خبر خفاء
هامش
( 1 ) - الوسائل ، صلاة المسافر ، باب 6 ، ح 1 .
( 2 ) - البدر الزاهر ، ص 235 .