شرح
وهذا هو الذي اختاره صاحب الجواهر حيث قال : « نعم لو قصد مسافة ثم تردد في أثنائها ولم يقطع بعد التردد شيئاً ، ثمّ عاد إلى الجزم رجع إلى الترخّص - إلى أن قال : - واكتفي ببلوغ ما قطعه وما بقي مسافة لتناول الأدلّة له حينئذٍ » . « 1 »
وفيه ما تقدّم من أنّ وزان التردد هنا وزان الإخلال بالصوم في أنّه يوجب انقطاع ما مضى عمّا بقي ، فمجرد الرجوع إلى القصد لا يوجب اتّصال الباقي بما مضى لعدم الدليل عليه .
وما ادّعاه قدس سرّه ، من تنازل الأدلّة له غير مسموع ، لعدم الشاهد له ، إذ الأدلّة إنّما اعتبر فيها قصد الثمانية فراسخ ، وقد عرفت أنّه لا يمكن فيما نحن فيه ، لعدم بلوغ ما بقي بعد التردّد إلى هذا المقدار كما هو المفروض .
هذا مضافاً إلى أنّ العرف قاضٍ بعدم انضمام ما بقي إلى ما مضى ، فلا يصدق عليه عنوان المسافر شرعاً ، فيبقى على التمام ، وهذا واضح .
ثم إنّه ربما يظهر من بعضهم ابتناء هذه المسألة على البحث المعروف من أنّ المرجع عند الشك في حكم المخصّص بعد انقضاء وقته هل هو العام أو المخصّص ؟ فانّ مفاد أدلّة السفر وجوب القصر على المسافر عموماً خرج منه زمان التردد - حيث عرفت أنّه يجب عليه التمام حاله - فبعد التردد هل يرجع إلى ذلك العام ليجب عليه القصر ، أو يرجع إلى حكم الخاص ، أعني التمام كما هو الحق في أمثال المقام فيحكم بالتمام لكون العام انحلاليّاً قد انحلّ بورود المخصّص ؟
ويردّه أنّ المقام ليس من باب التخصيص ، بل من باب التنويع ، نظير ما إذا قال : أكرمِ العلماء العدول ولا تُكرم الفُسّاق ، وكان زيد عادلًا ثم صار فاسقاً ، فيتبدّل الحكم بتبدّل الموضوع ، وكذلك المقام فانّ المسافر إذا كان قاصداً للمسافة - أعني ثمانية فراسخ - يقصّر وإذا حصل التبدّل وتردّد فيه يتمّ .
وبعبارة أُخرى : انّ التردد هنا نظير القواطع ، فكما أنّ العبور عن الوطن أو الإقامة عشرة أيّام في الأثناء أو التردد ثلاثين يوماً قاطع للسفر موضوعاً على المشهور أو
هامش
( 1 ) - الجواهر ، ج 14 ، ص 236 .