لإختلاف الحالين فقد بيّن بقوله « وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌّ » انّ الاهباط انّما كان في حال عداوة بعضهم لبعض ، و بين قوله « قلنا اهبطو منها جميعاً ، فأما يأتينّكم منّى هدى » انّ الأهباط انما كان للابتلاء والتكليف كما يقال : اذهب سالماً معافى ، اذهب مصاحبا ، وان كان الذهاب واحدًا لأختلاف الحالين « 1 » .
وقد ضعّف الرازي في تفسيره الوجه الأوّل من هذه الوجوه وقال :
« قال الجبائي الهبوط الأوّل غيرالثاني ، فالأوّل من الجنّة الى سماءالدنيا ، والثاني من سماء الدنيا الى الأرض ، وهذا ضعيفٌ من وجهين ، أحدهما : انّه قال في الهبوط الأوّل « ولكم في الأرض مستقرٌّ » فلو كان الاستقرار في الأرض انّما حصل بالهبوط الثاني ، لكان ذكر قوله « ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاع » عقيب الهبوط الثاني اولى . « وثانيهما : انّه قال في الهبوط الثاني « اهبطوا منها » والضمير في « منها » عائد الى الجنّة وذلك يقتضى كون الهبوط الثاني من الجنّة » « 2 » .
الوجه الثاني من الوجوه التي ذكرها الطبرسي وهي التأكيد ، فهو يستلزم التكرار في القرآن مع انّ السياق لا يساعده فلا نقول به .
وامّا الوجه الثالث من هذه الوجوه وهو اختلاف الحالين ، ضعيف أيضاً ، لأنّ عداوة بعض لبعض لا تتصور الّا في ضمن التكاليف والابتلأات بها فهما حال واحدٌ .
والفخر الرازي بعد تضعيفه للوجه الأوّل وبيان وجه الثاني قال :
« وعندى فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو انّ آدم وحوا لما اتيا بالزلة ، امرا بالهبوط ، فتابا بعدالأمر بالهبوط ووقع في قلبهما انّ الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد
هامش
( 1 ) - تفسير مجمع البيان ، ج 1 ، ص 179 .
( 2 ) - تفسير الكبير ، ج 3 ، ص 29 .