قوله : جَعَلْنَاكَ ظاهره أنّه إنشاء للخلافة التشريعيّة ، ومنصب النبوّة المنشأ لأجل استعداده الذاتي ، واتّصافه بصفات اللَّه ، وتخلّقه بأخلاقه تعالى . ويمكن كونه إخباراً عن تلك الدرجة من الكمالات النفسانيّة ، فعبّر عنها بخلافة اللَّه ، ولازمه أيضاً جعل النبوّة والخلافة التشريعيّة له ، والمعنى : أنّ اللَّه جعل داود خليفة الماضين من الأنبياء .
وقوله : فَاحْكُمْ ظاهر في القضاء بين الناس في الخصومات والمرافعات ، وما يسانخ ذلك ممّا يتصدّاه وليّ الأمر ؛ ففي الآية دلالة على جواز القضاء بين الناس ، ونفوذه ممّن هو منصوب من قِبل اللَّه بلا واسطة أو وسائط . وتدلّ أيضاً على لزوم كون القضاء بالحقّ ، وعدم جواز تبعيّة الهوى لمتصدّي هذا المنصب .
ونظيره قوله تعالى : خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا « 1 » .
التخاصم والترافع كان صوريّاً لاختبار حال داود ، وقولهما « بغى » فرض وتقدير ، وكأنّهما قالا : نفرض أو افرض أنّنا خصمان . ولا ينافي ذلك الاستدلال لظهور الكلام في ثبوت منصب القضاء لداود ، وجواز الترافع إليه ، ونفوذ قضائه .
وقوله : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ « 2 » .
وقوله تعالى : وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ « 3 » .
الخطاب للحكّام والولاة ، ويشمل الكلام جميع موارد الحكم ، ومنها القضاء بين المتخاصمين ؛ فيدلّ على جواز القضاء إذا صدر من أهله ، ونفوذه إذا وقع في محلّه .
ونظيره قوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ « 4 » .
وقوله تعالى في ثلاثة مواضع : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَاولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ « 5 » وفَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ « 6 » ، فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ « 7 » .
هامش
( 1 ) . ص ( 38 ) : 22 .
( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 48 .
( 3 ) . النساء ( 4 ) : 58 .
( 4 ) . المائدة ( 5 ) : 49 .
( 5 ) . المائدة ( 5 ) : 44 .
( 6 ) . المائدة ( 5 ) : 45 .
( 7 ) . المائدة ( 5 ) : 47 .