كما قال تعالى : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أوْ مِثْلِها . « 1 »
الأمر الثالث : يستفاد من الآية الشريفة أنّه قد تكون الآية منسوخة
، وقد تكون منساة متروكة ، بمعنى أنّ اللَّه قد ينسخ الآية وأزالتها عن القلوب أتى بعد ذلك بمثلها أو خير منها ومصداق ذلك يتصوّر في الشرائع المنسيّة بطروّ أيّام الجاهلية ، كما يقال ذلك في دين المجوس وأنّه كان لهم نبيّ وكتاب ، ولا أثر صحيح فعلًا من دينهم ، ولا حكم ثابت من كتابهم .
ويتصوّر أيضاً في الحكم الواحد المنسي من أحكام الشرع السابق إذا أتى اللَّه بدين كامل وحكم جديد بعد ذلك .
وقد يصدق على وجود بعض الصلحاء ونوابغ العلماء والأخيار ، فإنّهم قد يظهرون من مسير الأزمنة آونة بعد آونة حيث محى اسم السابقين ، وينسى عن القلوت شخصيّاتهم .
وقد يُدّعى أنّ بعض الآيات القرآنيّة النازلة على النبيّ صلى الله عليه وآله الأقدس قد محيت عن قلبه الشريف ، فأنساه النبيّ إيّاها ، وأبدلها بمثلها أو خير منها .
ويردّه قوله تعالى : سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى « 2 » إلّاأن يقال بالتخصيص في هذه الآية ، أو أنّ اللَّه قد وعده عدم النسيان ، لا عدم إنسائه ؛ فلعلّه قد أنساه بعض الآيات وإن لم نجد للمنسيّة أثراً .
وحيث إنّه لا معنى لمحوه عن قلب النبيّ صلى الله عليه وآله مع بقائه في نفوس الأُمّة ، فللقائل أن يدّعي زوالها عن قلوب الامّة وعن كتبهم أيضاً . وهي كما ترى ، نعم يقربه قوله تعالى : وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ « 3 » . لكن هذه الآية من آيات النسخ ، لا الإنساء .
الأمر الرابع : أنّ الآيات مختلفة :
فمنها الكبرى ، وهي الآية البيّنة الواضحة التي يدركها العامّة ، وهي الحجّة البالغة للَّه
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 106 .
( 2 ) . الأعلى ( 87 ) : 6 .
( 3 ) . النحل ( 16 ) : 101 .