ملك وحيوان ؛ أو الآفاقية ، بمعنى وجود كلّ موجود من أجزاء العالم من الأحجار والأشجار والنبات والأثمار ، فإنّ اللَّه تعالى كلّما أمات نفساً من ذوات الأرواح أحيا نفساً أخرى أو نفوساً آخرين ، وكلّما أبطل شخصاً أو صورة أتى بشخص آخر أو صورة أُخرى مثلها أو خير منها ، من شجر ونبات وغيرها .
إن قلت : لو كان المراد من الآية هذا المعنى ، كان اللازم أن يكون كلّما يوجد ثانياً في عالم الوجود بدل المنصرم السابق مثل الأوّل أو أعلى منه ، مع أنّه ليس كذلك ؛ قال اللَّه تعالى :
وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ « 1 » . وقال تعالى :
أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ « 2 » .
قلنا : ليس المراد بكون الآية الناسخة مماثلة للمنسوخة أو خيراً منها كونها كذلك من حيث انتفاع الناس بها ، بل المراد تماثلها أو تفاضلهما في كونهما آية وعلامة ؛ فالجنّة الشاملة على أحسن الأشجار والأثمار آية من حيث دلالتها على كمال قدرة اللَّه وحكمته ، والشاملة على أشجار ذات أُكُلٍ خَمطٍ وأثلٍ وسِدرٍ كذلك ، ومثله المنّ النازل من السماء على بني إسرائيل والفوم والبصل والعدس ؛ فهي متماثلات في كونها آية لقدرته تعالى ، لا في النفع واللذّة مثلًا ؛ هذا .
ولكن الأرجح حمل كلمة « الآية » في الآية الشريفة على الآيات القرآنيّة ، وقطعات من كلمات الشريفة ؛ فمعنى الآية أنّه كلّما نسخ اللَّه آية من آيات القرآن الكريم جاء بخير منها أو مثلها .
ونسخ الآية يتصوّر على وجوه :
الأوّل : نسخ الحكم فقط ، كما في آية النجوى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً « 3 » ، فإنّها قد نسخت من حيث الحكم بعد ما عمل بها عليّ عليه السلام مرّة أو مرّات ، ولم يعمل بها أحد غيره عليه السلام ، فقال تعالى بعد ذلك ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ
هامش
( 1 ) . سبأ ( 34 ) : 16 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 61 .
( 3 ) . المجادلة ( 58 ) : 12 .