تتمة : قال الفتال في حاشيته : أقول : إنما سمي الغناء غناء لان النفس تستغني به عن غيره من
الملاذ البدنية في حال سماعه .
وقال بعض الحكماء : فضل الغناء كفضل النطق على الخرس ، والدينار المنقوش على القطعة من
الذهب . وفي كلام بعضهم : الغناء يحرك الهوى الساكن ويسكن ألم الهوى المتحرك . وفي كلام
بعضهم : الصوت الشجي يوصل إلى نعيم الدنيا والآخرة لأنه يؤنس الوحيد ، ويريح التعبان ، ويسلي
الكئيب ، ويحض على الشجاعة ، واصطناع المعروف . وقال أفلاطون : هذا العلم : أي علم الغناء لم
يضعه الحكماء للهو واللعب ، ولكن للمنافع الذاتية ، ولذة الروح الروحانية ، وبسط النفس ، وترطيب
اليبوسات ، وتعديل السوداء ، وترويق الدم اه .
وأقول : فعلى هذا ينبغي جوازه لأجل التداوي به إذا لم يوجد شئ يقوم مقامه ، كما قالوا في
التداوي بالمحرم ، فتأمل اه .
قال في الخيرية : في جواب سؤال بعد كلام في سماع السادة الصوفية نفعنا الله تعالى بهم : ولو
قيل هل يجوز السماع لهم ؟ فيقال : إن كان السماع سماع قرآن وموعظة فيجوز ، ويستحب إن لم تخرج
الحروف عن نظمها وقدرها ، وإن كان سماع غناء فهو حرام .
ومن أباحه من المشايخ الصوفية فبشروط : أن يخلو عن اللهو ، ويتحلى بالتقوى ، ويحتاج إليه
احتياج المريض إلى الدواء ، وله شرائط .
أحدها : أن لا يكون فيهم أمرد . والثاني : أن لا يكون جميعهم إلا من جنسهم ، ليس فيهم فاسق ولا أهل الدنيا ولا امرأة .
والثالث : أن تكون نية القول الاخلاص لا أخذ الأجر والطعام .
والرابع : أن لا يجتمعوا لأجل طعام أو فتوح .
والخامس : أن لا يقوموا إلا مغلوبين . والسادس : لا يظهرون وجدا إلا صادقين .
وفي التتارخانية : عن الذخيرة : ومنهم من قال لا بأس به في الأعياد . روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله
كان جالسا في بيته يوم العيد وفي الدهليز جاريتان يتغنيان بالدف ، فجاء أبو بكر رضي الله عنه وقال
لهما : أتغنيان في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال : دعهما فإن هذا اليوم يوم عيد .
ثم ذكر عن المحيط تفصيلا آخر في التغني حاصله أن يفترق الحكم بين التغني لإزالة الوحشة
فيحل أو للهو المجرد فلا . ومنهم من فصل بمشاهدة التسبيح في الآلة عيانا فيحل ، وإلا يحرم ،
وشبهوه بسوق الدابة إن احتيج إليه حل ، وإلا حرم .
وقد صنف الفقهاء في ذلك مصنفات كثيرة وكذلك أهل التصرف . وأجمع عبارة فيه ما قاله
الشيخ عبد الرحمن أفندي العمادي وقد سئل عن السماع باليراع وغيره من الآلات المطربة هل ذلك
حلال أو حرام ؟ فأجاب : قد حرمه من لا يعترض عليه لصدق مقاله ، وأباحه من لم ينكر عليه لقوة
حاله ، فمن وجد في قلبه شيئا من نور المعرفة فليتقدم ، وإلا فرجوعه إلى ما نهاه عنه الشرع أسلم
وأحكم ، والله أعلم . وتمام الكلام على السماع وعلى جواز ضرب النوبة للتنبيه لتذكر النفختين يأتي في
تكملة حاشية رد المحتار — صفحة 574
مساهمون: ابن عابدين ( علاء الدين )
ص٥٧٤