بيان
المَعْلَم ( كما ذكرناه آنفاً ) في اللّغة ، ما يستدلّ به على الطريق من أثر ونحوه ومعلم الشيء موضعه الّذي يظنّ وجوده فيه . ولعلّ اللَّه سبحانه أراد بهذه الجملة من الحديث - بقرينة ذكرها بعد قوله سبحانه : « ثمّ أختم على قلبه بالمعرفة . » - أن يبيّن شأن العارف به تعالى ومنزلته ؛ إذ العارف باللَّه تعالى يعرف الحقّ سبحانه ويشاهده من طريق نفسه أو سائر المظاهر ، لأنّه سبحانه مع كلّ شيء ومحيط به بنصّ الكتاب والسنّة ، فكلّما وجد مظهر من المظاهر ولو كان المظهر نفس العارف ، فإنّ اللَّه سبحانه معه ومحيط به . فمن ختم اللَّه تعالى على قلبه بالمعرفة ، يشاهد الحقّ سبحانه بحقيقة إيمانه بأسمائه وصفاته ، مع كلّ موجود ومظهر ، ومحيطاً به ؛ قال اللَّه تعالى :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
« 1 » فلعلّ المراد بهذه الكريمة ، هو بعينه ما أريد من هذه الفقرة من الحديث ، أي العارف باللَّه تعالى يشاهد الحقّ سبحانه مع كلّ شيء توجّه إليه ، فيصير الأشياء معلماً له .
وبهذا البيان يظهر إجمالًا معنى الجملات الآتية في هذا الفصل من الحديث أيضاً ، حيث إنّ سلوك العبد إلى كلّ خير ، وإرشاده إلى طريق العارفين ، وتقويته على العبادة وتحبيبها لديه وإعانته عليها ، كلّها فرع معرفةاللَّه تعالى حقّ معرفته ، لا المعرفة الإجماليّة هذا . وقد تقدّم ذيل كلامه - عزّوجلّ - : « نَعيمُهُمْ فِى الدُّنْيا ، ذِكْري وَمَحَبَّتي وَرِضائي عَنْهُمْ . » « 2 » والجملات المبيّنة لصفات أهل الآخرة « 3 » والزاهدين « 4 » والعاملين برضاه تعالى « 5 » أيضاً ، آيات وأحاديث وأدعية تدلّ على المقصود هنا ، فراجع .
هامش
( 1 ) البقرة : 115 .
( 2 ) الفقرة 12 .
( 3 ) الفصل 15 و 16 .
( 4 ) الفصل 18 .
( 5 ) الفصل 25 .