هنا ، هو أنّ كلمتي « الديوان » و « الكتاب » تعبيران وتمثيلان استعملا باقتضاء فهم العالم البشريّ ، ولا يراد منهما الطومار والأوراق والدفاتر والكتب والدواوين المعهودة المتداولة بين الناس .
ولعلّ المراد منهما هو شهود العبد أعماله وتمثّلاتها أو نتائجها ، حسنة كانت أو سيّئة ؛ حيث إنّ الخواطر وحجب العالم البشريّ مانعة عن شهود ذلك في هذا العالم ، لكن يشاهدها حين الموت ، ولذا يقول :
رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ
« 1 » فيجاب :
كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
« 2 » كما يشاهدها في القيامة بنص الكتاب العزيز حيث يقول :
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
« 3 » هذا بالنسبة إلى معنى الديوان والكتاب ونشرهما .
وأ مّا معنى جملة الحديث ، فالظّاهر أنّها في مقام بيان أنّ عموم الناس الغير العاملين برضاه والمحبّين له ، لعدم محاسبتهم أنفسهم في هذا العالم ، ينشر ديوانهم للمحاسبة في المحشر ؛ وهذا بخلاف العاملين برضاه والمحبّين له فإنّهم لمحاسبتهم أنفسهم ، فازوا بكمال الانسانيّة بعناية من اللَّه تعالى ، وقامت قيامتهم الكبرى في هذا العالم ، فلا ينشر ديوانهم للحساب ؛ قال اللَّه تعالى
فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
« 4 » وقال تعالى :
وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
« 5 » وإن نشر ، فلأن يروا أعمالهم الحسنة فيفرحوا بها .
هامش
( 1 ) المؤمنون : 99 و 100 .
( 2 ) المؤمنون : 100 .
( 3 ) الزلزلة ( الزلزال ) : 6 - 8 .
( 4 ) الصّافات : 127 و 128 .
( 5 ) الصافّات : 39 و 40 .