فالأشياء كلّها مسخّرة للإنسان ، يفعل فيها ما يشاء ، ويتصرّف فيها بما يريد . فكأنّها تعلن الانسان بأنّا قد خلقنا لأجلك .
ومن المعلوم أنّ الحكيم تعالى خلقنا لمقصد أعلى وغرض أقصى ، وهى العبوديّة عن معرفة .
فكلّ من تصوّر هذه الأمور الثلاثة أعنى حاجة البشر إلى ما هو خارج عنه ؛ وخضوع الموجودات بأجمعها للإنسان ؛ والغرض من خلق الانسان . يصدّق أنّ الغرض من الأمرين الأوّلين ، هو الوصول إلى الأمر الثالث . فليس التمتع من مظاهر الدنيا كالطّعام والشراب واللّباس والسكنى ونحوها مذموماً مطلقاً ، وإنّما المذموم هو التمتّع بها إذا أدّى إلى الإخلال بالأمر الثالث ، أعنى الغرض الأصلىّ من الخلقة ؛ فلو أدّى التمتّع بالدّنيا ونعيمها إلى تعطيل الأمر الثالث أو الغفلة والنسيان عنه ، لزم الاقتصار على قدر الضّرورة وترك الزائد من الطعام واللّباس ونحوهما .
ولذا ذكراللَّه سبحانه في هذه الفقرة من الحديث ، كثرة الفرح واللّذة عند الطعام من صفات أهل الدنيا ، لا مطلق الفرح ، وهكذا بالنّسبة إلى غير الأكل من التمتّعات الدنيويّة ؛ وفى الدعاء المروىّ : « ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا . » ، « 1 » وفى دعاء مروىّ آخر : « أعوذ بك من دنياً تمنع الآخرة . » ، « 2 » حيث يستفاد منهما ، أنّ الدنيا المذمومة هي الّتى تكون أكبرهم للإنسان ، أو تمنع عن الآخرة ، وإلّا فالانسان محتاج إلى الدنيا ما دام انساناً ، فيحتاج إلى أن يصرف بعض همّه في الدنيا وتحصيلها ، حتّى يقدر على استدامة حياته .
وبالتّأمل في هذا البيان ، يظهر المراد من كثير من جملات هذا الحديث وغيرها مما ورد فيه الحثّ على ترك الدنيا أو ذمّها .
هامش
( 1 ) اقبال الاعمال ، ص 178 .
( 2 ) اقبال الاعمال ، ص 390 .