فلا استعلائُه باعدَه عن شئ مِن خلقِه ، ولاقرْبُهُ ساواهم في المكان به . لم يُطْلِع العقولَ على تحديد صفتِه ، ولم يَحْجُبْها عن واجب معرفته ؛ فهو الّذى تشهد له أعلامُ الوجود على إقرار قلبِ ذي الجُحود . تعالى اللَّه عمّا يقولُه المشبِّهون به والجاحِدون له علوّاً كبيراً ! » « 1 » بيان
علّل سبحانه قلّة الزهّاد من أمّة بنىإسرائيل في جواب سؤال النبىّ - صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم - : « وَكَيْفَ ذلِكَ ، وَعَدَدُ بنى إِسْرائيلَ أَكْثَرُ ؟ » بأنّهم شكّوا بعد اليقين ، وجحدوا بعد الإقرار ؛ ولذا ذكرنا هذه الآيات والروايات لتوضيح معنى الجملة ، وبيان أنّ اليقين والاقرار باللَّه والرسالة بل والوصاية ، في أىّ منزلة من التأثير في بقاء الانسان على ما فطر عليه ؛ وأنّ الشك والجحود في أىّ مكان من السخافة بحيث يسلب عن الناس العقل والشعور ، فيجحد ويشكّ فيما يقرّ به العاقل اللّبيب وذو الدرك السليم وما تشهد عليه أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود ؛ قال عزّ من قائل :
« أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟
» « 2 »
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 49 .
( 2 ) الجاثية : 23 .