تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الإسراء في شرح حديث المعراج — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
الحديث 1552 . عن محمّد بن الحنفيّة قال : لمّا قدِم أمير المؤمنين البصرةَ بعد قتال أهلِ الجَمَل ، دعاه الأحنفُ بنُ قَيْس واتّخذ له طَعاماً فبعث إليه - صلوات‌اللَّه‌عليه - وإلى أصحابه ، فأقبل ثمّ قال : « يا أحنَفُ ! ادع لي أصحابي ، فدخل عليه قومٌ متخشِّعون كأنّهم شِنانٌ بَوَالي . فقال الأحنفُ بنُ قَيْسٍ : يا أميرَالمؤمنين ! ما هذا الّذى نزَل بهم ؟ أمِن قلّةِ الطعام ، أو مِن هَولِ الحَرْبِ ؟ فقال - صلوات‌اللَّه‌عليه - : « لا ، يا أحنفُ ! إنّ اللَّهَ سبحانه أحبُّ أقواماً ، تنسَّكوا له في دار الدنيا تنسُّكَ مَن هجم على ما عَلِم من قُرْبِهم مِن يوم القيامة ، مِن قبل أن يشاهِدوها ، فحمَلوا أنفسَهم على مجهودِها ، وكانوا إذا ذكَروا صباحَ يومِ العَرْض على اللَّه سبحانه ، توهَّموا خروجَ عُنُقٍ يخرُجُ من النار يُحْشَرُ الخلائقُ إلى ربّهم - تبارك‌وتعالى - ، وكتابٍ يبدوُ فيه على رؤوس الأشهاد فضائحُ ذنوبِهم ، فكادت أنفُسُهم تسِيلَ سَيْلًا ، أو تطِيرُ قلوبُهم بأجنِحة الخوفِ طَيرَاناً ، وتفارقُهُم عقولُهم إذا غَلَتْ بهم من أجل المجرَّدِ [ التجرّد ] إلى اللَّه سبحانه غَلَياناً . فكانُوا يحِنُّون حِنينَ الواله في دُجَى الظُّلَم ، وكانوا يفْجَعون مِن خوفِ ما أوقَفُوا عليه أنفُسَهم ، فمَضَوا ذُبُلَ الأجسام ، حزينَةٌ قلوبُهم ، كالِحَةٌ وجوهُهم ، ذابِلَةٌ شِفاهُهُم ، خامِصَةٌ بطُونُهم ، متخشِّعون كأنّهم شِنانٌ بَوالِى ، قد أخْلَصوا للَّه‌أعمالَهم سرّاً وعلانيةً ، فلم تأمَن مِن فَزَعِه قلوبُهم ، بل كانوا كمن جَرَسوا قِبابَ خراجِهم ، فلو رأيتَهم في ليلَتِهم ! وقد نامَت العُيونُ ، وهدَأتِ الأصواتُ ، وسكَنَتِ الحرَكاتُ ، وقد نبَّهَهم هولُ يوم القيامة والوعيدُ ، كما قال سبحانه : « أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيتًا وَهُمْ نَآلِمُونَ » « 1 » فاستَيْقَظوا لها فَزِعِين ، وقامُوا إلى صَلاتهم معوِّلين ، باكين تارةً ، وأخرى مسبِّحين ، يبكون في محاربِيهم ويَرِنُّون ، يصطفّون ليلةً مظلمةً بهماءَ ، يبكون . فلو
هامش
( 1 ) الأعراف : 97 .