إقامة الوجه صورة وظاهراً . ثمّ عقّب هذا البيان بقوله تعالى :
« فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها »
« 1 » فانكشف بذلك أنّ المراد بالدّين في صدر الكريمة هي الفطرة ، وهذه هي الّتى أمر اللَّه تعالى رسوله - صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم - بالتّوجّه إليها . ومن المعلوم أنّ الأمر لا يختصّ به - صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم - ، بل يشمل الأوصياء - عليهمالسّلام - وكلّ من تبعهم .
فالمراد من الدّين ، هي الطينة المخمور بها خَلق الانسان ، وليس معناه ظاهر الشرع المبين فحسب ، وإن كان الظاهر مطابقاً لتلك الطينة أيضاً ، وليست هذه الطينة الّتى بها خمر خلق الانسان إلّاالتوحيد والمعرفة كما يستفاد ذلك من قول الصادق - عليهالسّلام - في ذيل كلامه تعالى :
« فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها »
« 2 » حيث قال - عليهالسّلام - : فطَرهم على التوحيد ؛ « 3 » وكذا قول أبى جعفر - عليهالسّلام - جواباً لسؤال زرارة حيث قال : سألته - عليهالسّلام - عن قول اللَّه - عزّوجلّ - :
« حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ »
« 4 » وعن الحنيفيّة فقال - عليهالسّلام - : « هي الفطرةُ الّتى فطَر الناسَ عليها ، لا تبديلَ لخلق اللَّه ، قال : فطَرهم على المعرفة . » « 5 » ولمّا كانت الفطرة كما مرّ آنفاً ، هي الطينة العجين بها خَلق الانسان ، أكّد قوله :
« لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ »
« 6 » بقوله :
« ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ »
« 7 » أي لا يفارق الدينُ الفطرةَ ، بل من رجع إلى فطرته ، هو الّذى أقام وجهه نحو الدين ؛ ومن غفل عن فطرته ولم يتّبع المتابعين للفطرة من الأنبياء والأولياء - عليهمالسّلام - ، فقد أدبر عن الدين ولم يلتفت إليه بوجهٍ .
ولعلّ قوله تعالى في ذيل الكريمة :
« وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ »
« 8 »
هامش
( 1 ) الرّوم : 30 .
( 2 ) الرّوم : 30 .
( 3 ) بحارالانوار ، ج 3 ، ص 277 ، الباب 11 ، الرّواية 11 .
( 4 ) الحج : 31 .
( 5 ) بحارالأنوار ، ج 3 ، ص 279 ، الباب 11 ، الرواية 11 .
( 6 ) الروم : 30 .
( 7 ) الرّوم : 30 .
( 8 ) الروم : 30 .