قال : ( فقد أبيتم إلا أن تجعلوا أبا موسى ) . قالوا : ( نعم ) .
قال : ( فاصنعوا ما أحببتم ) .
قالوا : فأرسلوا رسولا إلى أبي موسى ، وقد كان اعتزل الحرب ، وأقام
بعرض ( 1 ) من أعراض الشام ، فدخل عليه مولى له ، فقال : ( قد اصطلح
الناس ) ، قال : ( الحمد لله رب العالمين ) . قال : ( وقد جعلوك حكما ) .
قال : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) .
فأقبل أبو موسى حتى دخل عسكر علي ، فولوه الأمر ، ورضوا به ، فقبله .
فقال الأحنف بن قيس لعلي : ( إنك قد منيت بحجر الأرض ، وداهية
العرب ، وقد عجمت أبا موسى ، فوجدته كليل الشفرة ، قريب العقر ، وإنه
لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل يدنو من صاحبه حتى يكون في كفه ، ويبعد منه
حتى يكون مكان النجم ، فإن شئت أن تجعلني حكما فافعل ، وإلا فثانيا أو ثالثا ،
فإن قلت : إني لست من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فابعث رجلا
من صحابته ، واجعلني وزيرا له ومشيرا ) .
فقال علي : ( إن القوم قد أبوا أن يرضوا بغير أبي موسى ، والله بالغ أمره ) .
قالوا : فقال أيمن بن خريم الأسدي من أهل الشام ، وكان معتزلا للقوم :
لو كان للقوم رأي يهتدون به * بعد القضاء رموكم بابن عباس
لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن * لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس ( 2 )
هامش
( 1 ) العرض : الجانب من كل شئ .
( 2 ) تقول العرب لمن خاتل ، ضرب أخماسا لأسداس ، وهو مثل ، أصله أن شيخا كان في
إبله ومعه أولاده رجالا يرعونها ، قد طالت غربتهم عن أهلهم ، فقال لهم ذات يوم : ارعوا إبلكم
بربعا ، فرعوا ربعا نحو طريق أهلهم ، فقالوا له ، لو رعيناها خمسا ، فزادوا يوما قبل أهلهم ،
فقالوا لو رعيناها سدسا ، ففطن الشيخ لما يريدون ، فقال : ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس ،
ما همتكم رعيها ، إنما همتكم أهلكم .