ما أشدَّ اجتماعَ الناس هناك وما أشدّ ضجيجهم !
ماذا يجري هناك ياتُرى !
لا يوجد مكان داخل السقيفة ، أينما تنظر لن ترى سوى تَدافُع الناس ، شققت طريقي بين الجموع متوجّهاً إلى الأمام .
- ماذا تفعل يا رجل ؟ إلى أين تريد أن تذهب ؟ ألا ترى الطريق مسدودة ؟
- ولكنّي أُريد الذهاب إلى الأمام ، أُريد أن أنقل إلى قرّاء كتابي تقريرَ ما يحصل في الداخل ، أُكلّمهم بحقيقة ما يجري هناك ، فهؤلاء لهم الحقّ أن يفهموا ماذا يحصل في المدينة .
دخلتُ السقيفة رغم كلّ شيء ، فرأيت سريراً عليه عجوز مسجّى ! « 1 »
. أتقدّم إلى الأمام ، يبدو أنّ الرجل العجوز مريض ، يعلو الاصفرارُ وجهه .
يقف شاب بقربه ، يكرّر ما ينبسّ به هذا الرجل العجوز بإذنه ، بصوتٍ مرتفع حتّى يُسمع الناس « 2 »
. هل تعرّفت على هذا العجوز ؟ إنّه سعد ، رئيس قبيلة الخزرج ، وهذا الشاب الواقف بقربه ولده .
وأظنّك تعلم أنّ المدينة تتشكّل من قبيلتين ، هما الأوس والخزرج ، وكانتا قبل الإسلام في حربٍ دائمة ، ولكنّهما الآن - ببركة الإسلام - يعيشان بصلح ووئام .
اليوم يجتمع كبار هذه القبيلة في هذا المكان ليقرّروا مستقبل المدينة .
يتحامل سعد على نفسه ويقول :
- يا معشر الأنصار ، لكم سابقة في الدين ، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من
هامش
( 1 ) . إذا هم عُكوف هنالك على سعد بن عُبَادة وهو على سريرٍ له مريض . . . : المصنّف للصنعاني ج 8 ص 571 ، كنز العمّال ج 5 ص 650 ، فقالوا : نولّي هذا الأمر بعد محمّد صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن عُبَادة ، وأخرجوا سعداً إليهم وهو مريض ، فلمّا اجتمعوا قال لابنه . . . : تاريخ الطبري ج 3 ص 218 ، الكامل في التاريخ ج 2 ص 12 و 13 ، الإمامة والسياسة ج 1 ص 21 .
( 2 ) . فلمّا اجتمعوا قال لابنه أو بعض بني عمّه : إنّي لا أقدر لشكواي أن أُسمع القوم كلّهم كلامي ، ولكن تلقَّ منّي قولي فأسمِعْهم . فكان يتكلّم ويحفظ الرجل قوله ، فيرفع صوته فيُسمع أصحابه . . . : تاريخ الطبري ج 3 ص 218 ، الكامل في التاريخ ج 2 ص 1312 ، الإمامة والسياسة ج 1 ص 21 ؛ إنّي لا أستطيع أن أُسمع الناس كلامي لمرضي ، ولكن تلقَّ منّي قولي فأسمعهم . فكان سعد يتكلّم ويستمع ابنه ويرفع صوته ليسمع قومه : السقيفة وفدك ص 57 ، شرح نهج البلاغة ج 6 ص 5 ، بحار الأنوار ج 28 ص 340 .