آخر ، هذا البكاء ليس على شيءٍ فُقِد وحسب ، إنّما هو بكاءٌ على أحد أولياء اللَّه ظُلم ولم يجد من ينصره ، فأضحى بكاء النصر الممزوج بحبّ الولاء .
بكاءٌ على ذلك الشهيد الذي جرت عليه الدواهي والمصائب ما لم ولن تجري على شخصٍ غيره أبداً . بكاء على أعظم مصيبة شهدها التاريخ ، وبصريح قول الإمام الزكي عليه السلام « لا يوم كيومك يا أبا عبد اللَّه » .
بكاءٌ على مَن بكى النبيّ صلى الله عليه وآله غربته ومظلوميته . بكاءٌ على مَن فتّت كبد الزهراء عليها السلام وأقرح عيون المرتضى عليه السلام .
بكاءٌ على منحور القفا ، بكاءٌ على من طِيف برأسه من بلدٍ إلى بلد ، أمام منظرٍ من أولاده وبناته وأخواته .
بكاءٌ على سليب العمامة والردا ، ومن سُلب قميصه البالي . بكاءٌ على من لم يسلم حتّى طفله الرضيع ، فنُحر بين يديه وهو يعظهم ويُذكّرهم غضب الجبّار .
بكاءٌ على من بكته الأرض والسماء .
بكت الأرض فقده وبكته * باحمرارٍ له نواحي السماء
بكتا فقده أربعين صباحاً * كلّ يوم عند الضحى والمساء « 1 »
وحقّاً أنّ البكاء على الإمام الحسين عليه السلام أضحى سبباً لبقاء التشيّع قويّاً إلى يومنا هذا ، فلا عجب أن يسعى أعداء التشيّع إلى محاربة هذه الشعيرة ووصفها بأشنع الأوصاف ، فضلًا عن تحريمها وتسفيه أهلها .
أضحى البكاء على الإمام الحسين عليه السلام كأنّما هو فرض من فروض الديانة الحقّة ، فالتزم به الشيعة بكلّ قدسية وهم يقتدون بإمامهم الصادق عليه السلام حيث يقول :
إن كنت باكياً لشيءٍ فابكِ على الحسين بن علي بن أبي طالب ؛ فإنّه ذُبح
هامش
( 1 ) . مناقب آل شهرآشوب 4 : 54 .