وختام القول : أنني أحمد اللّه عز وجل على توفيقاته المتوالية ، ونعمائه المتتالية ، وتوجيه قلبي للاشتغال بالعلوم النافعة مع ما أنا عليه من الغفلة ، والتقصير في طاعة اللّه الملك الديان .
واللّه أسأل وهو أكرم مسؤول ، أن لا يحرمني من الأجر والثواب ، فيما تركته بعدي من التآليف النافعة وبالأخص كتابتي لمصحف مكة المكرمة الذي اشتهر وعم في الآفاق ، تحقيقا لقول نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم المروي في صحيح مسلم : « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ، صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » .
كما أسأله سبحانه وتعالى أن يجعل لي في الدارين اسما طاهرا ، وذكرا مباركا حسنا ، وعملا متقبلا ، فالإنسان تاريخ نفسه ، فإنه يموت ويفنى ويبقى ذكره وآثاره ، وقصصه وأخباره ، وما أحلى قول الشاعر :
إن المآثر في الورى ذرية * يفنى مؤثرها ويبقى ذكرها
فترى الكريم كشمعة من عنبر * ضاءت فإن طفئت تضوّع نشرها
إملأ الدنيا بما تستطيع من * عمل يبقى إذا العمر ذهب
إنما الأعمال تاريخ الفتى * تقرأ الأجيال فيه ما كتب
وقول الآخر :
ما تنسج الأيدي يبيد وإنما * يبقى لنا ما تنسج الأقلام
وقال بعضهم :
ليس للإنسان إلا ما سعى * وجزاء المرء من جنس العمل
وإني بحمد اللّه تعالى قد اشتغلت بالتأليف في مختلف العلوم والفنون ، منذ أربعين سنة حتى بلغت مؤلفاتي نحو أربعين كتابا أجلّها وأعظمها كتابتي لمصحف مكة المكرمة وهو مطبوع منتشر ، وتاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه وهو مطبوع أيضا ، والتفسير المكي وسيطبع قريبا إن شاء اللّه تعالى ، وغير ذلك من المؤلفات التي سنبينها في آخر هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى ، وإنه ليحق لي أن أتمثل بقول الشاعر :
صرفت زمانا في فنون جمعتها * وأفرغت جهدي والجنون فنون
فلما تجلى الأمر وانكشف الغطا * تبين لي أن الفنون جنون