خرج مع أخيه من الرضاعة لفي بهم لنا وقد بعدا قدر غلوة سهم خلف بيوتنا ، إذ أتانا أخوه يشتد في عدوه فقال : ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه ، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فوجدناه قائما منتقعا لونه ، فاعتنقه أبوه وقال : أي بني ، ما شأنك ، قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ، فشقا بطني ، ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه ، ثم رداه كما كان فرجعنا به معنا . فقال أبوه : يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب ، فانطلقي نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف .
قالت حليمة : فاحتملناه ، حتى قدمنا به إلى أمه ، فقالت : ما رد كما به ، فقد كنتما حريصين عليه ، قلنا : نخشى عليه الإتلاف والأحداث .
فقالت : ماذا بكما فاصدقاني ما شأنكما ، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره .
فقالت : أخشيتما عليه الشيطان ، كلا واللّه ما للشيطان عليه سبيل ، وإنه لكائن لابني هذا شأن فدعاه عنكما .
وفي رواية قالت حليمة : فخرجت أنا وأبوه ونسوة من الحي فإذا أنا به صلى اللّه عليه وسلم قائما ينظر إلى السماء كأن الشمس تطلع من وجهه ، فالتزمه أبوه واللّه لكأنما غمس في المسك غمسة ، وقال له أبوه : يا بني ما لك ؟ قال : خير يا أبت ، أتاني رجلان انقضا علي من السماء كما ينقض الطائر ، فأضجعاني وشقا بطني وحثوا بشيء كان معهما ، ما رأيت ألين منه ولا أطيب ريحا ، ومسحا على بطني فعدت كما كنت ( وقد جاءت هذه القصة بروايات عديدة والمعنى واحد ) فنكتفي بما تقدم - انتهى جميع ذلك من الجزء الأول من تاريخ الخميس .
واعلم بأن أمه صلى اللّه عليه وسلم من الرضاعة حليمة السعدية قد أسلمت ، وأسلم كذلك أبوه من الرضاعة الحارث بن عبد العزي ويكنى أبا ذؤيب ويعرف بأبي كبشة .
( واعلم ) بأن شق صدره صلى اللّه عليه وسلم بواسطة الملائكة الكرام ، عليهم السلام ، قد وقع أربع مرات ( 1 ) عندما كان عمره عليه الصلاة والسلام نحو ثلاث سنين ، ( 2 ) عندما كان عمره عشر سنين ، ( 3 ) عند أول البعثة ، ( 4 ) في ليلة الإسراء .
وقد أشار بعض العلماء إلى الثلاث المرات بقوله :
وشق صدر أشرف الأنام * وهو ابن عامين وسدس عام
وشق للبعث وللإسراء * أيضا كما قد جاء في الأنباء