التّخثّر [ 1 ] في وجهه ، فقال لنا : استبقا إلى بيت بل إلى أبيات ، فمن أصاب ما في نفسي فله عشرة آلاف درهم ، قال :
فأشفقت [ 2 ] ، ومنعتني هيبته ، قال : فقال أبو حفص :
كلَّما دارت الزجاجة زادت
ه اشتياقا وحرقة فبكاك
فقال : أحسنت فلك عشرة آلاف درهم .
قال : فزالت الهيبة عني ، فقلت :
لم ينلك الرجاء أن تحضريني
وتجافت أمنيّتي عن سواك [ 3 ]
فقال : للَّه درّك ! لك عشرون ألف درهم ، قال : فأطرق مليّا ، ثم رفع رأسه إليّ ، فقال : أنا واللَّه أشعر منكما ، ثم قال :
فتمنّيت أن يغشّيني اللَّا
ه نعاسا لعلّ عيني تراك
الأصمعي يصرف الرشيد عنها :
أخبرني ابن عمار والأخفش قالا : حدّثنا محمد بن يزيد عن المازني : قال :
قال الأصمعيّ : بعثت إليّ أمّ جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج بذكر هذه الجارية عنان ، فإن صرفته عنها فلك حكمك . قال : فكنت أريغ [ 4 ] لأن أجد للقول فيها موضعا ، فلا أجده ، ولا أقدم عليه هيبة له ، إذ دخلت يوما فرأيت في وجهه أثر الغضب ، فانخزلت ، فقال : مالك يا أصمعيّ ؟ قلت : رأيت في وجه أمير المؤمنين أثر غضب ، فلعن اللَّه من أغضبه ! فقال : هذا الناطفيّ واللَّه ، لولا أني لم أجر في حكم قطَّ متعمّدا لجعلت على كل جبل منه قطعة ، ومالي في جاريته أرب غير الشعر ، فذكرت رسالة أمّ جعفر ، فقلت له : أجل واللَّه ما فيها غير / الشعر ، أفيسرّ أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق ؟ فضحك حتى استلقى ، واتّصل قولي بأم جعفر فأجزلت لي الجائزة .
الرشيد يلح في طلبها :
أخبرني عمي والحسن بن عليّ ، قالا : حدّثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات ، قال : حدّثني محمد بن هارون ، عن يعقوب بن إبراهيم :
أن الرشيد طلب من الناطفيّ جاريته ، فأبى أن يبيعها بأقلّ من مائة ألف دينار ، فقال : أعطيك مائة ألف دينار على أن تأخذ بالدينار سبعة دراهم ، فامتنع عليه ، وأمر أن تحمل إليه ، فذكروا أنها دخلت مجلسه ، فجلست في هيئتها تنتظره فدخل عليها ، فقال لها : ويلك ! إن هذا قد اعتاص عليّ في أمرك ، قالت : وما يمنعك أن توفيه وترضيه ؟ فقال : ليس يقنع بما أعطيه ، وأمرها بالانصراف . فبلغني أن الناطفيّ تصدّق بثلاثين ألف درهم حين رجعت إليه ، فلم تزل في قلب الرشيد حتى مات مولاها ، فلما مات بعث مسرورا الخادم ، فأخرجها إلى باب الكرخ ،
هامش
[ 1 ] التخثر : غثيان النفس .
[ 2 ] هج : « فانثنينا » بدل « فأشفقت » .
[ 3 ] في هد : « لم ينلني » بدل « لم ينلك » .
[ 4 ] أريغ : أطلب .