خطبة مذكورة ، حرضهم فيها . فذكر من روى عنه خبره في ذلك الموضع أنه قام وعليه عمامة خزّ سوداء ، وهو متكىءّ على قائم سيفه ، فقال بعد حمد اللَّه تعالى والصلاة على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم : وقد كان من قضاء اللَّه جل وعز أن جمعنا وأهل ديننا في هذه الرقعة من الأرض ، واللَّه يعلم أني كنت لذلك كارها ، ولكنهم لم يبلعونا ريقنا ، ولم يدعونا نرتاد لديننا وننظر لمعادنا ، حتى نزلوا في حريمنا وبيضتنا [ 1 ] . وقد علمنا أنّ بالقوم حلماء وطغاما . فلسنا نأمن طغامهم على ذرارينا ونسائنا ، وقد كنا لا نحب أن نقاتل أهل ديننا ، فأحرجونا حتى صارت الأمور إلى أن يصير غدا قتالنا حميّة ، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون ، والحمد للَّه رب العالمين ، والذي بعث محمدا بالحق لوددت أنّي متّ قبل هذا ، ولكن اللَّه تبارك وتعالى إذا أراد أمرا لم يستطع العباد ردّه ، فنستعين باللَّه العظيم ، ثم انكفأ .
خمول أبيه عبد اللَّه وخنوثته منذ نشأته
ولم تكن لعبد اللَّه بن يزيد نباهة من ذكرت من آبائه ، وأهل المثالب يقولون : إنه دعيّ ، وكان مع عمرو بن سعيد الأشدق على شرطته أيام خلافة عبد الملك بن مروان ، فلما قتل عمرو هرب حتى سألت اليمانية عبد الملك فيه لما أمّن الناس عام الجماعة ، فأمّنه ، ونشأ خالد بن عبد اللَّه بالمدينة ، وكان في حداثته يتخنّث ، ويتتبع المغنين والمخنثين ويمشي بين عمر بن أبي ربيعة وبين النساء في رسائلهن إليه وفي رسائله إليهن ، وكان يقال له خالد الخرّيت [ 2 ] / فقال مصعب الزبيري : كل ما ذكره عمر بن أبي ربيعة في شعره ، فقال : أرسلت الخرّيت أو قال :
أرسلت الجريّ [ 3 ] فإنما يعني خالدا القسريّ ، وكان يترسل بينه وبين النساء .
يظلل بن أبي ربيعة وعشيقته
أخبرني بذلك الحرميّ ومحمد بن مزيد وغيرهما ، عن الزبير ، عن عمه ، وأخبرني عمي : قال : حدثني الكراني ، عن العمريّ ، عن الهيثم بن عديّ ، قال :
بينما عمر بن أبي ربيعة ذات يوم يمشي ومعه خالد بن عبد اللَّه القسري ، وهو خالد الخزاعي الذي يذكره في شعره إذا هما بأسماء وهند اللتين كان عمر يشبّب بهما ، وهما يتماشيان فقصداهما ، وجلسا معهما مليّا ، فأخذتهم السماء ، ومطروا ، فقام خالد وجاريتان المرأتين ، فظلَّلوا عليهم بمطرفة [ 4 ] وبردين له ، حتى كفّ المطر ، وتفرقوا ، وفي ذلك يقول عمر بن أبي ربيعة :
/
أفي رسم دار معك المترقرق
سفاها وما استنطاق ما ليس ينطق ؟
بحيث التقى جمع ومفضى محسّر
معالم قد كادت على الدهر تخلق [ 5 ]
ذكرت بها ما قد مضى من زماننا
وذكرك رسم الدّار مما يشوّق
هامش
[ 1 ] البيضة : الحوزة والحمى .
[ 2 ] الخريت : الدليل الماهر في أمر الدلالة .
[ 3 ] الجري : الرسول ، أو الوكيل .
[ 4 ] المطرفة : رداء من خز مربع فيه أعلام .
[ 5 ] محسر : اسم مكان ، وفي هد « فنان » « بدل » « معالم » وبها يختل الوزن ، نخلق : تبلى .