فخرج غلام منهم يقال له ثواب بن محجن بإبل لأبيه فلقيته الأعاجم ، فقتلوه ، وأخذوا الإبل ولقيتهم إياد في آخر النهار ، فهزمت الأعاجم .
قال : وحدثني بعض أهل العلم أن إيادا بيّنت ذلك الجمع حين عبروا شطَّ الفرات الغربيّ ، فلم يفلت منهم إلا القليل ، وجمعوا به جماجمهم وأجسادهم ، فكانت كالتل العظيم ، وكان إلى جانبهم دير ، فسمّي دير الجماجم ، وبلغ كسرى الخبر ، فبعث مالك بن حارثة : أحد بني كعب بن زهير بن جشم في آثارهم ، ووجّه معه أربعة آلاف [ 1 ] من الأساورة . فكتب إليهم لقيط .
يا دار عمرة من محتلَّها الجرعا
هاجت لي الهمّ والأحزان والوجعا [ 2 ]
وفيها يقول - قال الشّرقي بن القطامي أنشدنيها أبو حمزة الثماليّ - :
يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيرا
على نسائكم كسرى وما جمعا
هو الجلاء الذي تبقى مذلَّته
إن طار طائركم [ 3 ] يوما وإن وقعا
/ هو الفناء الذي يجتثّ أصلكم
فمن رأى مثل ذا رأيا [ 4 ] ومن سمعا
فقلَّدوا أمركم للَّه درّكم
رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء [ 5 ] العيش ساعده
ولا إذا حلّ مكروه به خشعا
لا يطعم النوم إلا ريث [ 6 ] يبعثه
همّ يكاد حشاه يقطع الضّلعا
مسهّد [ 7 ] النوم تعنيه ثغوركم [ 8 ]
يروم منها إلى الأعداء مطَّلعا
ما انفكّ يحلب هذا الدهر أشطره
يكون متّبعا طورا ومتّبعا
فليس يشغله مال يثمّره
عنكم ولا ولد يبغى له الرّفعا
حتى استمرّت [ 9 ] على شزر [ 10 ] مريرته [ 11 ]
مستحكم السنّ لاقحما [ 12 ] ولا ضرعا [ 13 ]
هامش
[ 1 ] في هد : « أربعين ألفا » .
[ 2 ] في هد ، هج : « الجزعا » بدل « الوجعا » .
[ 3 ] في س ، ب : « طائرهم » .
[ 4 ] في س ، ب : « يوما » .
[ 5 ] في س ، ب : « رخى » .
[ 6 ] في س ، ب : « حيث » .
[ 7 ] في س ، ب : « مسهر » .
[ 8 ] كذا في منتهى الطلب وفي هج س ، ب ، هد : « أموركم » .
[ 9 ] استمرت : استحكمت وقويت .
[ 10 ] شزر : ما يفتل على غير وجهه ، أي يفتل من اليسار .
[ 11 ] المريرة : طاقة الحبل والمراد أنه قوي متين .
[ 12 ] قحما : شيخا فانيا عجوزا .
[ 13 ] ضرعا : ضعيفا ذليلا مستكينا .